فيلم “Taare Zameen Par” الهندي

صورة من الفيلم

أبطال الفيلم

الأفلام الهندية الجديدة بعيدة عن التكلف.. مليئة بالأفكار الجميلة…
يوم أمس شاهدت فيلم تأثرت فيه كثيراً.. من أجمل الأفلام الهندية التي شاهدتها والتي تعالج قضايا انسانية بطريقة راقية…
فيلم “Taare Zameen Par” يعالج قضية انسانية تخص فئة من الناس وهم المصابين بمرض التوحد

ايشان هو طفل بعمر ثماني سنوات.. ولد مصاباً بمرض التوحّد.. ولم يكن أهله يعلمون بالمرض بل كانوا يصبون جام غضبهم عليه لتقصيره في الدراسة ومشاغبته…
قرر والداه أخيراً نقله للدراسة في مدرسة داخلية، وتابع المدرسون في هذه المدرسة صب غضبهم عليه، دون فهم حالته الى أن جاء المدرس “الممثل أمير خان” وعرف مرضه لأن هذا المدرس كان يعاني من نفس المرض في طفولته…

بدأ المدرس في محاولة كسب حب الفتى، والذي أصبح يحب المدرسة، طلب المدرس استثناءً من ادارة المدرسة لهذا الطفل لحين علاجه، ثم تحول ايشان الى طفل ايجابي، يشارك زملاءه ويتفاعل معهم، بل انه صاحب هواية مميزة في الرسم..

الفيديو التالي هو في نهاية الفيلم وهو يحكي عن مسابقة في الرسم نظّمها المدرس وفاز فيها بالنهاية ايشان…

سالت دمعتي بعض المرّات تأثراً بهذا الفيلم..

حكاية المستر بالي

المستر بالي هو مدير شركة تدريب في الهند، تتولى ادارة مشاريع تدريب لصالح الحكومة الهندية، وهذه الشركة لها فروع كثيرة ومباني كبيرة…
وعدد موظفي الشركة يتجاوز 1500 موظف… موزعين في الهند ومنطقة الشرق الأوسط حيث تتولى الشركة أيضاً تقديم الدعم الفني لزبائن شركة “أوراكل” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)…

وكان المستر بالي يقضي يومه في مبنى الشركة الرئيسي في دلهي العاصمة، وفي نفس الطابق الذي كنا نتلقى تدريبنا التقني المقدم كمنحة من الحكومة الهندية… وصدف كثيراً أننا التقينا في المصعد أو من خلال الزيارات التي كان يقوم بها الى غرفة صفنا من أجل الدردشة أو النقاش..

المستر بالي انسان متواضع جداً، تستغرب كثيراً أنه حبّوب وقريب من القلب، قريب من الموظفين… طلبت في يوم من الأيام مقابلته من أجل طلب مساعدته في تحويل زميل لي “فلسطيني” الى المستشفى نظراً لأن حالته الصحية متدهورة، وتجاوب بالسرعة الممكنة…

المهم في القصة أنني عندما دخلت الى مكتب السكرتيرة لطلب مقابلة المستر بالي، اشارت لي أنه جالس هناك.. ولكي أشرح أكثر فإن مكتب المدير هو عبارة عن غرفة واحدة… مقسومة الى أربع أرباع…ربع للمدير المالي”المحاسب” والسكرتيرة ومديرة مكتبه وهو.. في مكتب واحد بينهم قواطع من الجبص…

في مجتمعاتنا العربية، فإن أول انجاز للمدير العربي هو تغيير العفش وطاقم السكرتيرات والمدراء قبل الحديث عن الانجاز..حتى ولو كان مدير الشركة في شركة كل ما فيها “قردين وحارس” وسيارة وسائق سيارة و و و و و …..

المستر بالي انسان غاية في التواضع، اشتكيت مرة أن الباص الذي يقللنا الى البيت بعد انتهاء الدوام يتأخر كثيراً بالحضور ونضطر للإنتظار في الشارع، فما كان منه الا أن نزل في نفس اليوم لينتظر معنا في الشارع وليتصل من موبايله لحل المشكلة..وهو يقول “أريد أن أطمئن عليكم”…

المستر بالي لا يزال يرسل لي رسائل التهنئة بالأعياد والمناسبات…لا تتصوروا قدر الحب والاحترام الذي يحصل عليه من موظفيه الذي لا يرون فيه مديراً بقدر رؤيته ك “قائد”

عام مضى ..

وانتهى عام على أول يوم حللت به في دلهي عاصمة الهند، ولازالت ذكريات تلك الأيام في مخيلتي، يقول لي البعض لست أول من ذهب هناك، وليست آخر أيامك ما كان هناك، ولكن أيامي الهندية حفرت في ذاكرتي مشاهد يستحال أن تنسى، مشاهد لأناس ٍ يعيشون في ظروف غاية في الصعوبة، وحياة قاسية تكاد تكون أقسى من حياتنا نحن هنا، ففي فلسطين لم يحصل أن كان الرصيف بيتاً لأحد، ولم يحصل أن يقضي أناس أسبوعهم جوعى بدون طعام…أو سنين بدون لباس…لم يمت أحد من البرد القارص، ولم يعمل أحد لسنين دون أن يمسك ورق العملة في يده “السخرة”…

ومع كل محاولاتي لعدم المبالغة بتلك الظروف الا أنني أجد أن وصفي يقل بكثير عما شاهدته هناك، لازال في ذاكرتي ذاك الرجل المكوجي الذي كان يعيش هو وأمه المريضة وأولاده الأثنين وزوجته في بسطة (تناكية) العمل، فبعد التاسعة يغلق بسطته بغطاء هو عبارة عن شادر وتستطيع سمع تهامسهم اذا ما مشيت بجوارهم…لكن هذا الرجل تتملكه عزيمة شديدة، واحترام كبير لوالدته المريضة التي كنت أسمع صوت سعالها من غرفتي في الفندق في الطابق الثالث…

طفل وطفلة، اخوة يعيشون في الشارع، شاهدتهم ينامون الى جانب بعضهم على الرصيف بغطاء بسيط، أسفل أقدامهم أناس آخرون، يسهرون على نار أوقدوها، وآخرون يحاولون الانكماش على أنفسهم قدر الامكان لتوفير بعض الدفء لأنفسهم…

ورغم كل شيء كانت أيامي التي عشتها هناك من أروع أيام حياتي، رائعة بمعرفتي بثقافة هذا الشعب وديانته التي يخلص لها كثيراً، رائعة بتراثها وتاريخها، رائعة بآثارها ومعالمها الرائعة، الأمم المتجذرة في عمق التاريخ تمتلك عمقاً حضارياً يدفعها بثبات الواثق نحو المستقبل، وليالي دلهي المظلمة يقابلها شروق شمس جميل ونهار رائع، يبدأ من الافطار الذي لم يتغير على مدار الشهور الثلاثة التي عشتها هناك (بيض وخبز، عصير، كورن فلكس هندي، وقطعة فواكه)، ويمر برحلة الذهاب بالباص الى مركز التدريب الذي يتبع لواحدة من أكبر شركات تكنولوجيا المعلومات الهندية، وقضاء يوم مفيد وممتع مع أساتذة مخلصين في تعليمهم ومحبون لعملهم، ينظرون الينا نظرة احترام، ويشاركوننا الطعام والجلوس والتدريب، ثم رحلة العودة في زحمة نهار دلهي، ورحلات المساء التي كنا نخرج لنزور فيها بعض المعالم والتي لا زلت أتحسر على ترك زيارة بعضها، ثم عودتنا الى الفندق مع أول الليل لنرتاح استعداداً لحلقات النقاش والتبادل الثقافي مع الأصدقاء…والنوم متأخراً استعداداً لصفحة جديدة مختلفة عن صفحات اليوم السابق…

مشاهد الغربة تلك التي أحن اليها تجعلني أعقد المقارنات في كل مشهد من مشاهد حياتي اليومية…الطعام والشراب، البرنامج اليومي، احترام الناس للآخرين، المجتمع المسالم البعيد عن العنف…وكثيراً من المظاهر ولا أكذب عليكم ان قلت لكم أن تلك المشاهد باتت تعزز في نفسي كرهي المتزايد لرؤية الوجوه السوداء التي تمثل نظاماً قاتماً ينتزع من الانسان حريته ويقضي على طاقته. يملؤه بالاحباط ويشعره بالدنو والانحطاط…بعض الناس يظن الحديث عن المجتمع المسالم جزءاً من ثقافة مهزومة دافعها الشعور بالضعف. لكن برأيي فإن المجتمع المسالم أقوى من المجتمع العنيف الذي يحاول حسم أمره بالعنف من منطلق اجتثاث الآخر. أتحدث هنا عن المجتمع وتعامل فئاته مع بعضها وليس تعامل المجتمع ككل مع العدو الذي يحتل أرضه.

لقد استطعت في فترة وجيزة أن أتعرف الى أناس من قوميات وتوجهات وديانات مختلفة ومتعددة، واذا ما تحدثنا عن القوميات فإن العرب مميزون ومحبوبون، ونحن كفلسطينيين لم يختلف أحد ممن قابلتهم على أن قضيتنا عادلة ومن حقنا أن نتحرر ونعيش كبقية الشعوب، والأفغان لهم نصيب من التعاطف والاحترام ويذكرني هنا أننا تعرفنا على قوميتين من الأفغان هي البشتون والطاجيك، وقد تبين لي أن الطاجيك ومع أنهم أشداء في قوتهم وذوي بأس إلا أنهم ليسو بأخلاق وديانة البشتون ومنهم “عبد الصمد” الأفغاني الذي مهما وصفت أخلاقه ودينه وتقواه وبساطته ومحبته وأدبه وخجله فلن أبلغ الحق الذي يستحقه، يحفظ القرآن متزوج وله ست أبناء، يتكلم العربية الفصحى ولا يفهم اللغة الدارجة، يكثر من “جزاك الله خيراً” ويسألني كثيراً عن حالنا في فلسطين، وبدر الدين السوداني الذي لطالما كنا سوياً نتبادل النكات والأحاديث ونخرج سوياً ونشترك بالطعام ونسهر في غرفته ونبحث عن اللحوم الحلال سوياً…

المسلمون شامة بين الأمم، وصدقوني أن العالم ينظر لنا ويحسدوننا على هذه النعمة التي نعيش بها، ويحترمون عباداتنا التي كنا نحرص على تأديتها ولو في مركز التدريب، ولم يفتنا صلاة الجماعة في المسجد في يوم الجمعة أبداً ونحن هناك. فكنا نخرج ومعنا المسلمون من غير العرب (من قرغيستان، وبنجلادش وأفغانستان) وكان زملائنا الآخرون يحترمون ذلك فينا ويتساءلون عن سر هذا الإلتزام بهذا الدين، ولم نقصر يوماً في شرح مباديء الإسلام لكل من يسأل عنها، بل اننا بادرنا لأخذ آشوت الأرميني الى مركز اسلامي حيث تعرف الى دعاة يتقنون الروسية وتساءل عن عدد من المواضيع أجابوه عليها.

نور الأمين البنغالي مسلم ملتزم جداً أيضاً… كان دائماً ما يصرح ويثير التساؤلات، وقد طلبت منه أن يتوقف عن اثارة الحزازيات عندما يتم الحديث عن الاسلام، فالإسلام بالنسبة لنا معروف بمبادئه التي نؤمن بها، لكنه شيء غير مفهوم للآخرين، وما هو مقدس عندنا ليس مقدساً لدى غير المسلمين، يجب أن نتفهم ذلك عندما يتناول بعض الجهلاء بديننا بعض المظاهر السلبية التي قد يسلكها بعض المسلمين وتنعكس سلبياً على الاسلام كدين…

رحلتي الى الهند لازالت جزءاً من ذاكرتي التي لن أنساها، قد أعود يوماً الى هناك، أو قد أسافر الى بلد آخر، لكن لست متأكداً ان كانت انطباعاتي التي تولدت في زيارتي الأولى ستتولد ثانية، لكن الرحلة ثانية ستكون حلماً سأسعى لتحقيقه…


 

العود أحمد

لا أستطيع أن أصف لكم حزني على فراق أصدقائي الذين أودعهم وانا عائد الى وطني، لقد اكتسبت في هذه الرحلة صداقات لا يمكن أن تنتهي أو أن أنساها، منذ اليوم الأول لوصولي تعرفت عليهم واحداً تلو الآخر، ويشرفني أن أكتب عنهم واحداً واحداً في مدونتي، وهذا ما سأفعله بعد رجوعي.
في هذه اليومية أوجز لكم مرة أخرى وقائع زيارتي الى الهند في دورة تدريبية بعنوان “تقنيات متقدمة في تصميم صفحات الانترنت”، فقد وصلت الى دلهي وعشت في بدايات الوصول صعوبة التأقلم مع الجو الجديد.  لكن سرعان ما بدأت التأقلم مع الظروف الجديدة خاصة مع التقائي بزملاء من كل دول العالم، ومنهم بدر من السودان ومالك الفلسطيني المقيم في سوريا، حيث بدأت بالتعرف على دلهي المدينة الرائعة، وتجولت فيها وركبت قطار الأنفاق السريع والحديث. كان الدعم النفسي والمعنوي الذي قدمه مالك لي كبيراً، وللأسف فقد أضعت عنوانه الالكتروني وآمل أن أتواصل معه لاحقاً…
بدأت بالتدريب في شركة تسمى (CMC Limited) وهي شركة كبيرة تضم أكثر من خمسة آلاف موظف، وتقدم خدماتها في مجال الاستشارات والدعم الفني والبرمجة للعديد من القطاعات في الهند وخارجها، ومن ضمن خدماتها خدمة التدريب والتطوير. يدير فرع التدريب في هذه الشركة وعدد موظفيه ألف وخمسمائة موظف تقريباً رجل رائع بكل المقاييس، يدعى المستر بالي، ومع أنه مسؤول عن هذا العدد الضخم من الموظفين الا أنه غاية في التواضع والأدب، مكتبه المتواضع مقسوم الى أربع مربعات، حيث يجلس نائبه الى المربع المجاور، والمحاسب في المربع المقابل، والسكرتيرة بالمقابل القطري. لا أذكر أنني توجهت يوماً الى مكتبه وصدّني أحد، أو أشار الي أحد بضرورة أخذ موعد مسبق كما هو الحال في الدكاكين الفلسطينية التي تعودنا عليها…بل بمجرد دق الباب يجيب بكل تواضع: يس سير، كم بليز…
أصدقائي الذين نسجت معهم علاقة شخصية واهتممت بهم كثيراً انتخبوني قائداً للصف، ولقد سعدت كثيراً بهذا الاختيار الذي يحملني مسؤولية قيادية لأول مرة في حياتي، وبذلت جهدي لإرضاء زملائي ولملء وقت فراغهم ولحل مشكلاتهم. وازداد حبهم لي بعد العرض المميز الذي قدمته لهم عن فلسطين وقضيتنا التاريخية…عرضت لهم نضالنا في وجه الاحتلال وصوراً من العذابات اليومية التي نمر بها، ثم عرضت لهم جذور القضية الفلسطينية من خلال مادة زودني بها زميلي علاء من العلاقات العامة في الجامعة، ثم عرضت لهم أوجه الابداع والتحدي في حياتنا اليومية، حيث الجامعات المتقدمة وصور النجاح، والمدارس والحياة البسيطة التي يعيشها الناس المسالمون…بعد انتهاء محاضرتي عن فلسطين كانت ملامح التأثر بادية في وجوه زملائي، بعضهم بكى من التأثر بما يحصل في وطننا. الكل صار يسلم عليّ بحرارة أكثر من السابق، وتهافت جميعهم على أخذ نسخة من ملف العرض الذي قدمته…
أعتقد أنني أوصلت الرسالة التي يجب على كل فلسطيني أن يحملها الى العالم، اليوم استطعت أن أضيف الى مجموع المحبين في العالم أكثر من ستين أجنبياً قدمت لهم عرضي عن فلسطين.
الهند كما أسلفت لكم بلد جميل، ذو عمق تاريخي بعيد، وصفحات التاريخ تستطيع قراءتها من دلهي الى جيبور الى أجرا وغيرها من الأماكن التي تسعد بزيارتها للراحة والتفكر.

أيام الوداع
اليوم هو آخر يوم لي من أيامي الهندية، قبل ثلاثة أيام بدأت فعاليات الوداع في المؤسسة التي درسنا فيها، جلسة تقييم لأداء البرنامج، ثم استلام الشهادات والامتحان الأخير الذي كان مسك الختام، ثم استلام الشهادات من مدير عام الشركة.
بدأت بحزم حقائبي وما استطعت شراءه من أسواق الهند، من هدايا وبهارات للاقارب والأصدقاء… واضح أنني تجاوزت بكثير الحد المسموح حمله في المطار. لكن ومع ذلك نؤمن نحن الفلسطينيون أن لكل مشكلة حل، وهذا الايمان دفعني لأن أشتري حقيبة ثانية لأن حقيبتي الأولى لم تعد تستطيع التنفس.
في يوم سفرنا، وقبل اقلاع طائراتنا الى بلداننا، عقدت لنا الشركة حفلاً ختامياً فاخراً، اشتمل على كل أصناف الطعام وألقيت في هذا الحفل كلمة الخريجين التي كانت مليئة بالعاطفة والمشاعر الحزينة على الفراق…
أصدقائي آشوت الأرميني وايرينا الروسية وبلجيه المنغولي لم يحضرو الحفلة نظراً لأن مواعيد اقلاع طائراتهم تحين في أثناء الحفل، ودعنا أصدقائنا قبل توجهنا الى الحفل، وكان جو الحزن مخيماً على المشاركين، لكن في نفس الوقت فإن فرحة الرجوع الى الوطن كبيرة أيضاً… ووعدنا الذي قطعناه على أنفسنا أن نبقى الأصدقاء المخلصين كان الأمل الذي يجعل الوداع مؤقتا على أمل اللقاء مرة أخرى.
بعد انتهائي من القاء كلمتي أشار علي صديق بأن محمد الشاب الفلسطيني الملتحق بنفس البرنامج لكن ضمن صف اللغة الانجليزية يواجه صعوبة بالتنفس وعليه قمت بإصطحابه الى المستشفى مع صديق أرميني آخر، وطمأننا الأطباء عليه.
صديقي آشوت والذي اتصلت به لعلي أتمكن من لقاءه آخر مرة، كان قد غادر الفندق للتو الى المطار عائداً الى أرمينيا، تحدثنا وكانت نبرته تدل على أنه مغرورق في دموعه…وتعاهدنا على اللقاء ثانية ودعوته الى الحضور الى فلسطين…لا أعرف ما سر العلاقة الطيبة التي ربطتنا سوياً أنا وآشوت الأرميني، ومحمد وشابين آخرين أرمينيين، سأل بدر الدين السوداني أشوت ذات مرة عن هذه الملاحظة، فقال له: حب فلسطين وشعب فلسطين هو جزء من تركيبتنا البيولوجية الأرمينية.

بعد ساعتين أركب الطائرة عائداً الى وطني، ومشاعر الحزن تتزايد ودقات القلب تتسارع، بعد قليل أترك غرفتي وفندقي، أحمل أمتعتي وأتجه الى الشارع، أبكي دلهي هذه الليلة وأنا متألم على فراقها أكثر من ألمي يوم فراق فلسطين، ولا أدعي حب دلهي أكثر من فلسطين، لكن فلسطين هي الأم التي سأعود اليها مهما طال الغياب، و يعلم الله وحده متى سأعود الى تلك المدينة وهذه الأرض…
جولتي وحيداً في ساعة انتصاف الليل أسقطت الدمع من عيني وأنا قليل التأثر عادة بالمواقف العاطفية، لكن يبدو أن فراق دلهي أوقع في نفسي ما يكفي لكي يقع الدمع من عيني…
أصدقائي الذين بدأو بالتجمع لوداعي في الشارع بعد ساعة من انتصاف الليل (بدر الدين السوداني، باكيت الكرجستاني، كاريل وكارلوس الكوبيين، نيلو النيبالية، هيلتون الانجليزي، وعبد الصمد وزلماي الأفغانيين وغيرهم من زملاء من صفوف أخرى) وقفو صفاً واحداً لوداعي وصديقي محمد الذي بكى كما يبكي الأطفال، وأعذره لذلك فقد برر أنه لا يمكن له أن يجد أصدقاء أعز من أصدقاءه الأرمن، وأنا من جانبي لا أعترض على ذلك، فصداقتي لآشوت كانت صداقة من هذا النوع من الصداقات التي تستمر ما استمرت الحياة…
عدت الى وطني ووصلت الى فلسطين، ربوع فلسطين الخضراء حضن دافيء لايوجد في الدنيا مثله، ويستحضرني قول اليمام (هب جنة الخلد اليمن، لا شيء يعدل الوطن)، على جوانب الطريق من أريحا الى نابلس أرض خضراء ممتدة مليئة بالزرع والأشجار، ولا يشوب هذا الجمال الا حواجز طرق نصبها الاحتلال على الطريق…أهلاً بك الى فلسطين…

اقترب الرحيل

ايامي الهندية التي شارفت على نهايتها باتت تمر بسرعة، فبعد أقل من شهر أشد الرحال عائداً الى وطني وكلّي اشتياق الى عائلتي والى ابني محمد الذي رزقت به أثناء سفري، لكني ومع ذلك لا أخفي عليكم أنني بدأت أقع في حب دلهي، وبدأت أراها بعين أخرى غير تلك التي عرضت لكم مشاهدها سابقاً.
دلهي مدينة رائعة والهند دولة جميلة، جميلة بما فيها من عمق حضاري وتاريخي لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، جميلة بشعبها المسالم الطيب المحب لديانته والمخلص لآلهته وسكانها المتآلفين المتحابين…
الهند دولة مليئة بالتاريخ والحضارات، ومهما تعددت الحضارات والعصور التي مرّت بها الهند فإنها لا تخفي من معالم هذه الحضارات أي مرحلة، وعلى رأسها الحضارة الاسلامية التي حكمت هندوستان لأكثر من خمسمائة عام وتآلف فيها الهندوس والمسلمون تحت راية الدولة الاسلامية المتسامحة، ولازالت الهند تفتخر بدرة معالمها السياحية وأحد عجائب الدنيا السبع تاج محل الذي يزين أجرا عاصمة الدولة الاسلامية في ذاك الزمان، ويعتبرونه أكبر رمز للحب عرفه التاريخ، فقد بنى الملك تاج الدين هذا المكان لزوجته ممتاز التي يقال أنه أحبها جداً، وأنه بدأ ببناء هذا المبنى الضخم وما رافقه من مساجد بعد وفاتها واستمر العمل فيه لأكثر من عشرين عاماً.
لكن هذا الملك المحب لزوجته قد تعرض للإحتجاز من قبل ابنه الذي لم يرض عن طريقة والده في ادارة الحكم مما دفعه لإحتجازه في جناح خاص في قصر أجرا فورت وهو قصر الحكم في ذلك الوقت ويطل على تاج محل، وبعد وفاته دفن بجانب زوجته في التاج.
والملك تاج الدين هو حفيد الملك جلال الدين أكبر، حاكم هندوستان وموحدها وزوجته جوده الهندوسية الجميلة ابنة الملك حاكم مملكة راجستان في ذلك الزمان (1555 م) والتي تزوجها الملك جلال الدين ضمن صفقة يتزوج بمقتضاها الملك من ابنة ملك راجستان الهندوسي ويحافظ على حكمه في تلك المنطقة تحت رعاية الملكية الاسلامية والملك جلال الدين.
لكن الملك جلال الدين وقع في حب هذه الأميرة بعد الزواج وتمنعت عنه حيث أنه وان كان ملك هندوستان فهو لم يصبح بعد ملك قلبها. لكنها ما لبثت هي الأخرى أن وقعت في حب الملك ويذكر في التاريخ أن هذا الملك هو الملك المسلم الذي أسس للتعايش السلمي بين المسلمين والهندوس، وقام بإلغاء الضرائب عنهم كما أنه سمح لزوجته الملك بالمحافظة على ديانتها بل انه سمح لها بإقامة معبد صغير لها في داخل القصر.

كل هذه المعلومات عرفتها من فيلم يعرض حالياً في دور السينما وحضرته لكن دون ترجمة، وفيما بعد تمكنت من شراء هذا الفيلم مترجماً الى اللغة الانجليزية آمل أن أعرضه في فلسطين بعد عودتي، وحيث أنني أتحدث عن السينما فأود أن أذكر أن السينما الهندية هي سينما محافظة ولا تصل الى مرحلة العرض الجنسي كما هي أفلام الغرب. لكن ومع ذلك فإن الممثلات الهندية والملكة جوده بالتحديد فائقة الجمال، واللباس الهندي التقليدي هو لباس يجعل المرأة الهندية فاتنة الجمال، فضلاً عن المجوهرات الرائعة التي ترتديها الملكة، والحقيقة أنها سحرت المشاهدين بحسنها وجمالها…

اليوم بدأ أبو ثائر بحزم حقائبه، فقد أنهى دورته التعليمية في اللغة الانجليزية وقد أصبح قادراً عن نسج جمل يمكن للمستمع أن يفهمها بعد أن كان لا يستطيع فك الحرف، وقد أدهش مدرسيه من حبه للتعلم في هذا العمر المتأخر، فقد قضى أبو ثائر ما يقارب الخمسة عشر عاماً في الإعتقال، وقد وقف المدير العام للمؤسسة التي نتعلم بها وصفق له بحفاوة بالغة في حفل الختام، بعد أن اختاره زملاؤه لإلقاء كلمة شكر وتقدير، وتكلم أبو ثائر بلغة انجليزية جيدة ومفهومة وتحدث عن فلسطين وعن حبه لها وعن محبته الجديدة للهند.
استطاع هذا الرجل ومع ضعف لغته أن يكسب صداقات لا يمكن أن يكتسبها أحد آخر، ولديه كاريزما تجعل الجميع يحبه ويتقرب اليه، حتى ان آشوت الرجل الأرميني قد أصبح يعتبره “الأخ الأكبر” له، وبات يساعده في كل احتياجاته.
أيامي الأخيرة في الهند حافلة بالأحداث، فقد اعتدت على السهر في شوارعها حتى ينام الناس، وأصبح المشي حتى بعد منتصف الليل لتنشق هواء دلهي البارد ليلاً وللحديث في كل مجالات الحياة هوالتقليد اليومي لي ولصديقي آشوت الأرميني.
أكن لهذا الرجل كل الاحترام والتقدير، فهو يحبني وأبو ثائر بشدة، ولا يتردد في مساعدتنا أو الحضور معنا الى أي مكان ننوي الذهاب اليه، وفي حال واجهتنا مشاكل فهو أول المتقدمين لحلها. وهو مؤمن بقضية فلسطين أكثر من ايماننا نحن بها، لدرجة أنني بدأت أعرف الاخوة الفلسطينيين القادمين الى دلهي عنه انه “فلسطيني مقيم في أرمينيا”. وقد وعدته بزيارته يوماً ما الى أرمينيا وقضاء وقت طويل هناك في ضيافته.

قلت لكم أن أيامي الهندية باتت معدودة، وبات فراق دلهي محتماً بعد بضعة أيام، وشوقي لها قبل فراقها بدأ يتولد شيئاً فشيئاً، ويتسارع بتسارع الوقت، وصرت في أيام العطلة الأسبوعية أنتهز الفرصة للخروج في رحلات سياحية في المناطق المحيطة بدلهي، وقد زرت أماكن عدة، لكن في ذاكرتي مكان لا أستطيع نسيانه وهو قرية على عتبات الهملايا تدعى (ريشيكيش).

مكان طبيعي هاديء يمر فيه نهر الجانجا المقدس عند الهنود، حيث يستحمون ويتبركون بماءه، يسير النهر بين الجبال التي تكسوها الخضرة والأشجار، ويتخللها أنهار صغيرة هي عبارة عن منابع هذا النهر.
انطلق بنا الباص في منتصف ليل الجمعة على السبت، ووصلنا مع طلوع الفجر الى مدينة هاريدوار القريبة من ريشيكيش، من هناك انطلقنا الى مقصدنا ووصلنا في تمام الساعة السادسة صباحاً…
صباح ريشيكيش صباح جميل يشبه صباحات فلسطين، فهي قرية لم يقتحمها الضجيج والتلوث الموجود في العاصمة، ومواطنوها هم بسطاء الهند الذين يعتاشون على السياحة والزراعة، يأتي اليها السواح لمشاهدة الطبيعة الخلابة وللعيش فترة من الزمان بهدوء يتيح لهم التفكير والصفاء.
لفت انتباهي كثرة اليهود الحاضرين الى تلك المنطقة، وظننت في البداية أنها منطقة مقدسة لديهم، لكن أوضح لي أحدهم أنهم يأتون هنا للتفريغ النفسي بعد خدمتهم بالجيش، ولممارسة رياضة اليوجا، حيث تعتبر هذه المنطقة أحد أهم المراكز الرئيسية العالمية في تعليم أصول اليوجا الهندية، والتي تعتبرها الديانة الهندوسية والبودية أحد طقوسها.
تكاليف الاقامة اليومية في هذه المنطقة ومع أنها سياحية فهي منخفضة جداً، حيث تستطيع العيش هناك بتكاليف أقل من خمسة دولارات يومياً تشمل الطعام والاقامة ولا داعي للمواصلات، فهي قرية صغيرة جداً.
بعد قضاء يومين رائعين في تلك المنطقة عدت الى دلهي بالقطار، وقد كانت المرة الأولى التي أركب بها في القطار ومع أني اشتريت التذكرة المخصصة لمقصورة النوم والتي تحوي على أسرة، الا أنني لم أنم ليلتها لأسباب كثيرة، منها أنني لازلت أعيش روحياً في تلك المنطقة الرائعة، ومنها البرودة الشديدة في القطار، فضلاً عن أن بعض الركاب أخذ راحته بالنوم لدرجة تضايق الآخرين (من ناحية الشخير وأمور أخرى )…
الرحلة في القطار استغرقت الليل بطوله، وفور عودتي الى دلهي توجهت الى المدرسة التي فاتني فيها دوام يوم الأثنين فكان اليوم الثاني الذي أغيب فيه عن المدرسة التي أتدرب بها، فقد غبت سابقاً بسبب المرض. وقد ظن زملائي أنني مريض ثانية، لكن الحمد لله، فالمدرس لم يلحظ غيابي يوم أمس، اذ تغير المدرس وبدأنا في فصل جديد…
قبل الختام، أهدي لكم هذه الأغنية الهندية بعنوان “سلام عشق” وقد تفهمون من بعض كلماتها القريبة الى العربية أنها تعبر عن الشوق والحنين، والشوق هنا بالنسبة لي شوق الوطن والأهل والأحبة….أعود اليكم قريباً، وعلى أنغام الأغنية أترككم مع بعض الصور.

وذهبت الى أكشردام (Akshardam)

من يذهب الى الهند لا يجب أن يغادرها قبل زيارة تاج محل، لكن يمكن أن أضيف الى تاج محل احدى عجائب الدنيا الجديدة…معبد أكشردام.
أكشردام هو معبد هندوسي حديث، تم بناءه منذ عدة سنوات واستغرق بناءه خمس سنوات عمل فيها ما يزيد عن مئة ألف متطوع في جميع المجالات، وما يميز هذا المعبد هو قيمته المعمارية والجمالية الرائعة، ونجاح المخططين والمهندسين والمنفذين في اضفاء روحانية دينية على هذا المعبد، واعطاء هذا المكان رهبة تتملك الزائرين من لحظة دخولهم، مايميزه هو العمل الحرفي والذي تم انجاز كل تفاصيله على أيدي حرفيين مهرة.
تماثيل الآلهة الهندية والقصر الضخم المنحوت في الصخر بتفاصيل دقيقة جداً والألوان الجذابة تأخذك في التفكير عن حجم الجهد الذي بذل في هذا المعبد، وبعد اتمام تجوالك في زيارة المعبد والقصر الضخم في وسط هذا المعبد يمكنك شراء تذاكر لحضور العرض الذي يأخذك وكأنك في حلم عميق لمعرفة التاريخ الهندي في رحلة تزيد عن ساعة ونصف داخل أنفاق مائية وباستخدام المؤثرات الصوتية وأحدث التكنولوجيا في عروض تعيدك آلاف السنين الى الخلف لقراءة التاريخ بتفاصيل دقيقة وممتعة.
وصف أحد أصدقائي المعبد بأنه جنة دلهي، وأنا أؤكد لكم ذلك، فبعيداً عن الدخول في المعتقدات الدينية فأنا أعتقد أن هذا المكان يحمل قيمة جمالية عالية وعمقاً تاريخياً لا يمكن تجاهله لمجرد أننا لا نؤمن بمعتقدات أصحاب المعبد…

أترككم مع بعض الصور التي آمل أنها ستوصل لكم فكرة عن هذا المعبد…

العمل اليدوي على أيدي أكثر من عشرين ألف عامل

ماتشاهدونه هو نحت يدوي في الصخر

السجود في الطريقة الهندوسية للصنم، والمرأة هي طريقة للصلاة، والرجل الواقف في الخلف يصفق وهي أحد طرق العبادة

لديهم أيضاً مسبحة

 

صور الآلهة الهندوسية الرئيسية

تمثال لأحد المرشدين (غورو) لدى الهندوس ومؤسس جماعة السواماريانز التي بنت هذا المعبد

 

تماثيل تتحرك وتتحدث بالصوت (معرض لتاريخ السواماريانز)

الموسيقى الهندية

يوماً بعد يوم أتأقلم مع الحياة في الهند أكثر وأكثر، اخوتي من فلسطين والذين يصلون تباعاً تتملكهم الصدمة التي اصابتني في بداية قدومي، محمد شاب من أريحا حضر وبعد يومين من وصوله دخل الى المستشفى لأزمة في التنفس، فرائحة البهارات الهندية التي يمكن تنشقها في أي مكان وشارع في دلهي، والضباب الكثيف والتلوث في الهواء يجعلك تحس بضيق صدري وحشرجة لا تلبث الا أن تتعود عليها، وليل دلهي وفجرها البارد يجعلك تصاب بأمراض الزكام ليزيد الطين بلة…
لكني ومع كل ذلك بدأت أستمتع بوجودي بالهند وفي دلهي، وبات هواء دلهي البارد ليلاً محبباً الى صدري، حتى اني أتجول في الشوارع المحيطة بفندقنا حتى ساعة متأخرة جداً من الليل، برفقة ذاك الصديق الأرميني المحب لفلسطين، نستنشق هواء دلهي البارد ونتمشى في شوارعها المزدحمة بالنائمين على جوانب الطرقات. وقد بدأنا بكشف أحوال بعض السكان، فهذا الرجل المكوجي أمام فندقنا يبيّت امه العجوز في بسطة الكوي التي يعمل بها، وهناك طفلين ينامان الى جانب بعضهما تحت غطاء بسيط على رصيف الشارع وغير ذلك من قصص الفقر المؤثرة…
أشوك رجل أرميني في نهاية الثلاثينات محب لفلسطين ولشعبها ومؤيد للقضية الفلسطينية بشكل كبير، وبشكل دائم ومستمر نخوض سوياً سجالات حوار طويلة عن فلسطين والاسلام والمسيحية أخطاءنا ومشكلاتنا، تاريخ أرمينيا وخلافاتها مع أذربيجان الدولة الاسلامية المجاورة التي حاولت افتعال حرب دينية في تلك المنطقة تدخل العرب لوقفها ممتنعين بشدة عن دعمها، ليس الا لأنها حرب سياسية بحته تهدف الى مصادرة مقدرات هذه الأمة الغنية والتي عانت ابان الحكم التركي لها وقتل وشرد من تلك الامة الملايين بسبب ظلم الحكم التركي في ذلك الوقت…لا بد أن كلمة الحكم التركي قد لا تروق لكم، فأنتم تعتبرونها دولة الخلافة العثمانية الاسلامية، لكن حتى أشوك يقول أنها في ذلك الوقت كانت مخطوفة لعدد من الصهاينة الذين أسسو نظام الحكم العلماني فيما بعد، ووضعوا حداً لدولة الخلافة الاسلامية التي يرى أن المسيحيين قد عاشوا في ظلها بالأمن والأمان الى حين اختطافها على يد الصهاينة المتسترين بالاسلام.
حتى اللحظة لم أصل الى عنوان مقالتي “الموسيقى الهندية” والتي وقعت في حبها أيضاً كما بدأت أحب دلهي، فالموسيقى الهندية هي خليط من الموسيقى العربية والغربية مع نكهة هندية، تجعلك تتحرك وتتفاعل مع ايقاعاتها لا شعورياً، وما تشاهدوه في الأفلام الهندية من طريقة رقص وموسيقى هو بالفعل تعبير عن الفن الهندي المتداول هنا، وليس مجرد صورة لأداء مفتعل على شاشات السينما.
وبما أننا نتحدث عن السينما الهندية، ونظراً لأن العديد من أصدقائي يتحدثون عن احضار فتاة هندية لهم للزواج منها بناءً على ما يشاهدونه في شاشات السينما، فيسرني أن أعلن لكم أن صديقي أبو ثائر القادم من رام الله قد أعلن عن استعداده لدفع مبلغ مائة دولار لأول فتاة هندية جميلة يصادفها في دلهي، وهذا الإعلان ساري المفعول من يوم وصوله حتى يوم مغادرته.
طبعاً كثيراً ما نقول له هات المائة دولار لهذه الفتاة فيقول “هذه الفتاة يجب أن تدفع تعويض عن الهلع الذي أصابتنا به”… بصراحة ذوقه صعب جداً في هذه الامور، أو أن تقديم مائة دولار صعب جداً… قمت بتداول الموضوع مع أحد أصدقائي الهنود فقال لي أن المرأة الهندية امرأة مجدة وعاملة، وهي لا تضيع الكثير من الوقت في الاهتمام بشكلها على حساب عملها وبيتها، كما أن تلك النساء الجميلات اللواتي يظهرن في شاشات التلفزة والسينما هنّ من فئة السوبر موديل اللواتي لا يعشن في العاصمة ويتواجدن في بومباي العاصمة الفنية للهند ومقر بوليوود (مدينة السينما الهندية).
ولنعد الى مقالتي عن الموسيقى الهندية، وأترككم مع آخر صيحات الموسيقى الهندية الصاخبة آملاً أن تنال اعجابكم…

الهند كما رأيتها لأول مرة…

الفقر في الهند
لا أعرف كيف أصف لكم درجة الفقر الشديد التي يعيشها سكان الهند، يقال أن الحكومة الهندية حكومة غنية جداً، ومواردها كثيرة جداً، لكن هذا الغنى لا يعود بالنفع على المواطن لا من خلال تحسين وضعه المالي ولا من خلال توفير المزيد من الخدمات والرعاية له.
أعتقد أن شعباً كالشعب الفلسطيني لو عاش بمستوى الفقر والجوع الموجود في الهند فإن ثورات الجياع ستكثر وستشتعل انتفاضة كل يوم للدفاع عن رغيف الخبز والحياة الكريمة.
أناس ينامون في الشوارع، يستحمون في الشوارع، ينشرون ملابسهم المغسولة على جوانب الطريق، يعيشون وسط قذارة لا يمكن لإنسان أن يعيش فيها. رجال مستعدون للعمل ليل نهار لكسب قوت يومهم وللحفاظ على المستوى المتدني الذي يعيشون فيه، ولا أقول هنا تحسين هذا المستوى بل أقول الحفاظ عليه من التراجع أكثر.
النساء في الهند يعملن الى جانب الرجال وفي أقسى الظروف وأصعبها، شاهدت عشرات النساء يشاركن الرجال في الأعمال الشاقة كالحفر والرصف والعتالة والكناسة. قلت لزميلي الفلسطيني: “لتأت جماعات حقوق المرأة التي أوجعت رأسنا في فلسطين بحقوق المرأة لتأتي هنا وترى الرجل يقوم بجبل الباطون، وتسبقه المرأة للعمل بالطورية”، لا أرضى يوماً أن أرى زوجتي أو شقيقتي أو احدى نساء فلسطين يقمن بهذا العمل الشاق، ولتصمت نساء السشوار الباحثات عن حقوق المرأة عن المطالبة بمساواة المرأة بالرجل، أنتن تعشن في مجتمع يكرمكن ولا يطلبكن للعمل في حفر الأرض ولا صب الباطون…!

على كل حال أترككم مع بعض الصور التي التقطتها في ما سبق، وسأحضر لكم المزيد من الصور لنشرها في المستقبل القريب ان شاء الله… ومع أن هذه الصور ستبني لديكم انطباعاً سلبياً الا أنني أعدكم أن أنقل لكم جانباً مشرقاً من جوانب الحياة في الهند لكن بعد أن تكتمل الصورة لديّ، خاصة أن رحلتي الحقيقة في الهند ستبدأ في الأسبوع القادم ضمن البرنامج السياحي الذي ستأخذنا به المؤسسة التي نتدرب بها…

ولأكون صادقاً معكم، الهند بلد ضخم جداً وبه ما يزيد عن مليار نسمة، وفيه الكثير من التناقضات، بمعنى أنك ترى الفقر الشديد بأبشع صوره، وسترى الرخاء الشديد بأبهى صوره…سترى التخلف من القرون الماضية، وسترى الحداثة في بلد يحتكر أربعين بالمئة من صادرات تكنولوجيا المعلومات في العالم أجمع، وينتج الطائرات والصواريخ والسيارات والدبابات، والشاحنات وكل ما يخطر ببالكم…أترككم بعد أن شوقتكم لمعرفة المزيد لرؤية الصور، وأعود اليكم قريباً جداً…

 

زملائي في الدورة
(أفغانستان، زامبيا، السودان، غانا، الدومينيكان، كوبا، كرجستان، نيبال، كولومبيا، منغوليا، وطبعاً أنا من فلسطين)

مشاهد لدلهي من أعلى بناية المدرسة التي نتعلم بها




جامع مسجد (مسجد اسلامي ضخم وقديم في دلهي)




















صناعة الخبز


 من صور الفقر

رحلة في أرض الاسلام

نحن اليوم نتجه الى منطقة تدعى “نظام الدين”، وهي منطقة اسلامية مركزية كبيرة، يقيم فيها المسلمون الهنود ويؤمها آلاف المسلمون من كل أنحاء العالم لزيارة مركز اسلامي في المنطقة وهو عبارة عن مبنى من خمس طبقات، الأول منه مسجد وبقيته هو مقر اقامة وخدمات للمركز، حيث يجتمع مسلمون من كل أنحاء العالم من رجال الدعوة والتبليغ وينطلقون في رحلة للدعوة الى دين الاسلام في عشرات دول العالم المسلم وغير المسلم، يترك رجال الدعوة بيوتهم وأهلهم وأعمالهم أربعين يوماً على الأقل وينطلقون من هذا المركز لحمل رسالة الاسلام وايصالها الى ملايين العطشى لها من مسلمين وغيرهم.
نحن أيضاً اعتدنا الذهاب الى تلك المنطقة التي تبعد عنا مسافة كبيرة، ونحتاج لنصل اليها حوالي الخمسين دقيقة، في كل أسبوع، حيث نتناول هناك ما لذّ وطاب وسال له اللعاب من الدجاج المشوي والأرز البوري، واللحم الحلال الذي لا نأكله طيلة أسبوع كامل في فندقنا نظراً لأن الذبح لا يكون على الطريقة الاسلامية، ندخل الى هذا الملتقى الايماني والاسلامي، الايماني لأن هذا الملتقى يحوي عشرات حلقات العلم والدرس الديني، ومن كل اللغات وبكل الألسن، والاسلامي لأنك تستشعر عظمة هذا الدين وروعة كلمة التوحيد، لا أعرف ان كان ما سأقول فلسفة خارجة عن الصحة أو معنىً جديداً لكلمة التوحيد، فالتوحيد وفق المعنى المعروف هو توحيد الخالق، ووفق المعنى الذي تكتشفه عندما تشاهد الماليزي، والاندونيسي والروسي، والهندي والعربي وعشرات الدول والألسن الأخرى يجتمعون في مكان واحد متوحدين لرب واحد ويحملون رسالة واحدة، وما ان تقول السلام عليكم حتى يرد عليك عشرات منهم بلسان واحد “وعليكم السلام”.
مئات الرجال تركوا بيوتهم وحضروا هنا للإستزادة من هذا الدين، وللإنطلاق لدعوة اخوة آخرين الى رحمة هذا الدين العظيم، والحقيقة أن كل الظواهر السلبية التي ذكرتها سابقاً في احدى مقالاتي عن دولة الهند يمكن ببساطة أن تتغير بدخول هذا الدين وانتشاره في هذا البلد الذي يحوي ملايين المسلمين تبلغ نسبتهم وفق المعلومات المذكورة عبر الانترنت الى 14 بالمئة، والهند بلد يعج بالأديان والطوائف والتوجهات، ومعظمهم يعبد الأصنام ويقدس الحيوانات كالبقرة والقرد والقط والفأر والفيل.. ديانات مختلفة لم أفهمها بعد، لكن بجميع الحالات أعتقد أن الها واحداً هو الله سيكون مقنعاً أكثر لهم من هذه الآلهة لو وصل اليهم أحدٌ ما ليبلغهم بالله…وديناً واحداً سيغيرهم ويجعل منهم نموذجاً للخير هو الاسلام ان جاءهم من يحمل رسالة الاسلام الصحيحة الى قلوبهم. فالهنود وان كنت قد أثقلت عليهم سابقاً بإحدى مقالاتي إلا أنّهم أناس بسطاء طيبون، رقيقون لا تحتاج لتصرخ على أي منهم، وتحس وأنت بينهم أنك موجود بين أناس مسالمين لا يعرفون الحقد والضغينة، وفي كثير من الأحيان نقف انا وصديقي السوداني بدر أمام المعبد الخاص بهم لنشاهدهم وهم يأتون اليه للبكاء والتضرع للصنم الموجود فيه، بعضهم يصلي للـ (البسطة) التي يبيع عليها، أقول لبدر ولكثير من الاخوة المسلمين: هؤلاء يبكون تضرعاً لصنم، ويصلّون لبسطة الرزق، فكيف اذا عرفوا الله حق المعرفة وعلموا أنه الرزّاق الغفور الرحيم؟؟
ولنعد الى نظام الدين، اليوم رحلتنا مميزة، فمعي أخ فلسطيني وصل منذ عدة أيام ليلتحق بدورة تدريبية ضمن نفس البرنامج الذي ألتحق به، لكن بموضوع مختلف، هو رجل يزيد عن الأربعين يقال له أبو ثائر، وله من الأولاد خمس أولاد، ويعيش في مدينة رام الله ويعمل في وزارة الحكم المحلي وقد أمضى في سجون الاحتلال ما يزيد عن خمسة عشر عاماً، ومعي أيضاً أخ مسلم من كرجستان، وهي بلد اسلامي أصيل من دول الاتحاد السوفييتي السابق، (اسمه باكيت، وبالعربية بخيت)…وقد تستغربون أننا تعرفنا في نظام الدين الى رجال من نفس البلد ومن طاجيكستان، وأوزباكستان وكازاخستان يحملون أسماءً عربية أصيلة كعثمان وعلي ومحمد وغيره… فهذه الدول هي دول مسلمة أصيلة، وبنظري فإن ايمان أحدهم يعدل ايمان سبعين منّا، فهم ليس لهم على الاسلام أعوان الا الله ورجال الخير من أهل الله.
باكيت شاب متزوج أيضاً، لكن معرفته بالاسلام سطحية جداً، وهو بعيد يرغب بالاقتراب الى الاسلام وتعلم أصوله، والعمل بكل أوامره، جاء بالصباح الى صديقي السوداني وأخبره أنه بدأ يصلي من ليلة الأمس، وسررنا بذلك ودعوناه ليرافقنا الى المسجد لأداء صلاة الجمعة ثم اصطحبناه في رحلتنا الى ديار الاسلام في نظام الدين.
كثير من زملائنا بات يتندر بنا نحن المسلمون كوننا بعيدون عن مفاهيم التحرر الأخلاقي والحرية التي يعيشونها “وفق مفهومهم للحرية”، وبعض المسلمين أيضاً يحملون مفاهيم التحرر تلك بدرجة أكبر من التحرر نفسه الذي يتحدث عنه أصحاب التحرر من أصحاب الديانات الأخرى أو أصحاب “اللا دين”، نحن نحاول أن نوصل لهم أن ديننا هو دين تسامح ومحبة وتعاون، ونحاول أن نعكس لهم الاسلام من خلال اظهار أخلاقنا وسلكونا الصحيح الذي تربينا عليه في أوطاننا، قد يكون هذا سبباً في محبة الكثيرين منهم لنا، فقد تم انتخابي لكي اكون قائداً لصفي وبعضهم اتصل بي يوم أصبت بالانفلونزا التي أقعدتني في غرفتي ليوم كامل أكثر من خمس مرات ليطمئن عليّ، وعرض بعضهم جلب الطعام لي الى الغرفة ان احتاج الأمر لذلك.
نعود مرة أخرى الى نظام الدين، ولباكيت الذي اندمج لحظة دخوله الى المسجد وبعد أداء صلاة العصر فيه مع مجموعة من الناطقين بالروسية واستمع الى درس الدين معهم، وجلس وتعارف اليهم، وحتى أذان المغرب كان باكيت منسجماً كظمآن وقع في نهر ماء عذب، أما أنا وبدر فجلسنا نستمع الى حلقة أخرى للناطقين بالعربية من المسلمين الحاضرين من الدول العربية ولغيرهم من الناطقين بها، وشيخنا هو داعية هندي الأصل أتى داعياً الى فلسطين في ستينات القرن الماضي وافتتح أول مركز دعوي في الأردن في أواخر السبعينات من نفس القرن، حيث تطرق الى تلك المواضيع من خلال درسه، فضلاً عن حديثٍ مشوّقٍ في الاسلام وتعاليمه وقصة بني اسرائيل وسيدنا موسى عليه السلام.
أما أبو ثائر فهو قد عثر على داعية فلسطيني من عكا ولديه بعض القهوة الفلسطينية وخرجا ليتناولا القهوة ولكي يدخن أبو ثائر مع الفنجان الذي عبر لنا مراراً عن اشتياقه له.
كانت همهمتنا بالخروج في كل مرة تعود أدراجها لمجرد رؤية باكيت جالساً مع أبناء قومه ويعيش في جوٍ ايماني عميق، هذا الشاب ليس مثلنا، فنحن ولدنا على فطرة الاسلام، ونحمد الله على ذلك طبعاً، لكن هذا الشاب يستطيع ترك الاسلام واختيار أي دين آخر، لكنه يأتي هنا بملء ارادته ويقبل على الاسلام بنهم شديد بنية الهداية والاقتراب من الله. ونسأل الله أن يعينه ويعيننا على أنفسنا لنقترب واياه من الله أكثر.
عندما حان موعد المغادرة بعد صلاة العشاء، واذا بباكيت قد سعد بإخوة من أبناء وطنه وهم وجدوه هبة من الله لهم، خرجنا على نية العودة بالاسبوع القادم للقاءهم مرة أخرى، واتصلنا بصديقنا أبي ثائر الذي كان قد انغمس بالتسوق في السوق المسلم يشتري بعض احتياجاته، مشينا قليلاً ودخلنا الى عمق المنطقة ووجدنا أماكن تستحق الزيارة في الأسبوع القادم.
أختتم يوميتي هذه بأن أعتذر لكم عن طول الحديث أولاً، وأن أنقل لكم فخري الشديد بديني العظيم (الاسلام)، وان كان بنا من نعمة كبيرة فهي الاسلام، فالحمد لله على هذه النعمة والحمد لله أن الاسلام جاء بلغتنا العربية لنفهمه أكثر، ولنؤمن بالله أكثر.

العام الجديد… بنكهة هندية

هذه هي المرة الأولى التي ألمس فيها احتفال الناس بمناسبة رأس السنة، نحن المسلمون لا نحتفل بهذه المناسبة، وفي نابلس نكتفي بالاحتفال بالعطلة في هذا اليوم.

في الهند التحضيرات للإحتفالات تسبق يوم الاحتفال الكبير بأيام، زينة وأضواء، اعلانات عن سهرات، الكل يسأل الكل أين ستحتفل بالعام الجديد… لكن أنا لم أضع في تفكيري سوى يوم العطلة الذي أشتاق اليه نظراً لحاجتي لمزيد من النوم.

أيام العطلة الأسبوعية هي السبت والأحد، ويوم الثلاثاء هو يوم العطلة بمناسبة العام الجديد، وعندما تقابل أحداً يبادرك التهنئة بالعام الجديد…

ما ان دَخَلت الهند في الظلام، حتى بدأ الناس بالتجمع في الساحات والأماكن العامة، خرجنا أنا ومالك لنتمشى في جولة أخيرة لنا قبل مغادرة مالك عائداً الى سوريا، بلد اقامته..

أعداد غفيرة من رجال الشرطة، وتجمعات بالمئات لهم، كما أن الاجراءات الأمنية مكثفة، لم نفهم ماذا يحصل، لكن في الفندق أخبرونا أن الشعب الهندي مع حلول منتصف الليل يصل الى ذروة سكره، وقد ينتج عن ذلك الكثير من الاشكاليات، ولذلك فإن قوات الأمن تقوم بالتجمع قبل فترة كافية لكي تتدخل في حال وقوع أي اشكاليات.

دُعينا الى حفلة صاخبة نظمها الفندق، تداولت الأمر في نفسي وكان قراري النهائي أن لا أذهب، افتقدت صديقي بدر، وهو شاب سوداني يكبرني ببضعة أعوام ويعمل في وظيفة كبيرة في مؤسسة حكومية سودانية، طبعاً معالم الابتهاج بدت على الجميع، وجميع الزملاء من كل أنحاء العالم، جاهزون للرقص والشرب حتى الثمالة، خرجت بعد العشاء من مطعم الفندق الذي سيقام به الحفل وتوجهت الى غرفتي، وحاولت الاتصال ببدر والذي تبين أنه اختار البقاء في غرفته أيضاً، دعوته وجلسنا نتبادل بعض الأحاديث وتطرقنا الى احتفالات هؤلاء الناس، وتواصلنا كلانا مع الأهل من خلال الانترنت المتوفر في غرفتي.

اتصلت بصديق هندي لي أستعين به في بعض الأمور الخاصة بعملي واستغرق الوقت منه ما يقارب خمسة دقائق لكي يتذكرني، ليس لأني لا أتحدث معه بل لأنه كان ثملاً لدرجة أنه لم يكن يستمع لحديثي، وبعد أن تدخل صديقه نصف السكران للتعرف اليّ اعتذر مني وأخبرني أنه ثمل ولا يستطيع الحديث الآن.

خرجت وبدر من غرفتنا متوجهين الى الشارع، وكان ذلك قبل منتصف الليل بقليل، وتجولنا لنرى رجال الشرطة المستنفرين والذين كانوا يأخذون وضع الاستعداد لمجرد رؤيتنا من بعيد، ظنّاً منهم أننا قد نكون من مثيري الشغب الثمالى. وصلنا الى قاعة الفندق التي صخبت بها الموسيقى، ودخلنا لنلقي نظرة، وجدنا بضعة شباب ذكور لا اناث بينهم، يرقصون وهم ثملون بطريقة غريبة، وخرجنا وقررنا العودة الى غرفتنا خاصة أننا بدأنا نحس أن أثر الشرب بدأ يظهر على كل الهند، فالسيارات المسرعة والسائقون السكيرون، والشوارع وعصابات مثيري الشغب صارت تشكل خطراً على كل عاقل في هذه الليلة.

في اليوم التالي التقيت بصديق هندي، وكان يضع نقطة حمراء على رأسه، ولعل بعضكم يتساءل ما هذه النقطة التي يضعها الهنود؟ الحقيقة أن لها معنى لا أعرفه لدى المرأة، لكن عند الرجال، فإن صباح الرجل الهندي يبدأ بالمرور على المعبد والقيام ببعض الطقوس التي تنتهي بمباركة رجل الدين الهندوسي وقيامه بوضع النقطة على رأس الرجل.

لقد بدا أن هذا الهندي قد ارتكب الكثير من المعاصي والآثام في هذه الليلة، وهو أصبح عند الآلهة التي يعبدونها (والتي سأخصص لكم مقالاً خاصاً عنها) لكي تتجاوز له عن سيئاته، وتتناسى ما فعل.

كنت قد افتقدت مالك منذ الليلة الماضية، والحقيقة أنه لم يعد الى غرفته حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وهي الساعة التي توقفت فيها عن البحث عنه، ومع طلوع الفجر، ولمعرفتي أن موعد سفره هو مع طلوع الفجر، خرجت للبحث عنه حيث لم يكن موجوداً في غرفته، وذهبت الى الفندق المجاور فقد يكون مغادراً منه، وفي النهاية وجدته يأخذ لفة الوداع في شوارع الحي الذي نسكن فيه، ويلقي النظرة الأخيرة على آخر صباح هندي له، بعد ليلة لم يبدو أنه رأى النوم فيها.