القيم المؤسسية..Institutional Values

تعتمد الشركات والمؤسسات العريقة منظومة متماسكة من القيم المؤسسية التي تحكم عملها، من أهم هذه القيم المؤسسية: “الشفافية، النزاهة، المساءلة، المساواة، المشاركة”
هذه القيم هي من أهم قيم الحكم الرشيد وممارستها تعزز قدرة المؤسسة على التنافسية والازدهار لأنها تعزز انتماء الموظف لمؤسسته وتعزز انتماء العملاء (الزبائن) لها من طرف آخر..
ولكي تصبح هذه القيم واقعاً مطبقاً فعلى المؤسسات أن تقوم بما يلي:

  1. تبنّي هذه القيم، أن تقوم المؤسسة بكتابة بيان أو نص يؤكد التزام المؤسسة بهذه القيم (نحن مؤسسة كذا نؤكد التزامنا بالقيم التالية…)
  2. أن تقوم بتعميم هذه الوثيقة (وثيقة القيم المؤسسية) على كافة الموظفين وأن تتطالبهم بالالتزام بها، وأن تؤكد أن المؤسسة بكافة مستوياتها ملزمون ومحتكمون لهذه القيم.
  3. أن تُعد وتطبق السياسات والاجراءات التي تضمن تطبيق هذه القيم، كيف سنضمن تطبيق قيمة المساواة مثلاً؟ “الموظفون في هذه المؤسسة متساوون بالحقوق والواجبات وفق أنظمة المؤسسة، لا تفريق بينهم بناءً على الدين أو اللون أو الجنس أو الانتماء أو الأصل.. كلهم سواسية عند التوظيف والتعيين وانتهاء الخدمات… (هذا مثال واحد فقط)
  4. أن تحدد الوسائل التي سيتم بناءً عليها ضمان التزام المؤسسة بهذه القيم، مثل أن يتم فحص آلية تعيين موظف جديد للتأكد أنها تمت وفق مباديء وقيم المؤسسة، من تكافؤ الفرص وشفافية عملية التقييم وهذا بحد ذاته يرسخ قيمة المحاسبة…
  5. أن يتم اتخاذ الاجراءات التي تضمن التراجع عن الأخطاء واعادة تصويب المسار في حال تم الخروج عنها، وأن يتم تحديث الاجراءات والسياسات التي تضمن عدم تكرار الخطأ…

كل ما تريد معرفته عن المنحة الهنغارية

سأقوم خلال الأيام القادمة ان شاء الله بتوثيق تجربتي في المنحة الهنغارية stipendium hungaricum في مقال شامل وكامل (فيما يتعلق بمرحلة ما بعد القبول والتي تشمل السفر والاستقرار)

أيام الحظر في غودولو

في البيت منذ ثلاثة أسابيع أو يزيد، حظر التجول هنا مرتبط جداً بوعي الناس وادراكهم لأهمية الالتزام بتعليمات الحكومة، الناس تخرج للتريض وتتسوق في المولات الضخمة بطريقة تحفظ المعايير الصحية، حتى الساعة 12 ظهراً المولات والمحلات متروكة لكبار السن من المتقاعدين أو من هم في حكمهم، بعدها يمكن لمن يرغب أن يدخل للتسوق.

تسير في الشارع متوجهاً لشراء بعض الحاجيات فترى سيدات يعملن على تنسيق حدائق الجامعة، وبعض العمال يمارسون أعمال البناء والصيانة.. المطاعم والمقاهي مغلقة ولكن المطاعم الكبيرة مثل ماكدونالدز وKFC تعمل بالتوصيل أو drive thru.
التعليم الالكتروني يسير بسلاسة لكن بعض الزملاء الطلبة يشتكون من بعض القضايا التقنية والفنية، الأداء ليس بمستواه الأفضل لكن على الجميع التعامل مع هذه الظروف ولا يوجد تأنيب أو تشكيك في هذا الظرف. الحكومة هنا مسؤولة عن الجامعات وتوفر منصة متقدمة لمتابعة التعليم الالكتروني وهو منصة فعالة جداً لكن جامعة واحدة لا تستطيع توفير بنية تحتية لمثل هذا النظام.
في النهاية يعجبني في هذا البلد قلة الجدل والتذمر والتركيز دوماً على التفكير بالأهم، طيلة سنوات اقامتي لم أتحدث أو يحدثني أحد عن سوء الأحوال الجوية، ولم أشاهد نقاشاً على قرار تتخذه الجامعة أو الحكومة أو أي حدث استثنائي أو غير استثنائي.. الناس تهتم بما يهم.. القيل والقال ليس لها مكان..
في الشارع لا يوجد مظاهر مبالغ بها أو استثنائية، أشتاق لزيارة بودابست وصلاة الجمعة في مسجد بودابست الكبير، وفنجان قهوة في مقهى السلطان مع الأصدقاء، أو وجبة من مطعم في نهاية يوم اجازة، أو جلسه مجاورة للجسر الاخضر للتمتع برؤية الدانوب وهذا الربيع الاستثنائي.
في هذا الحجر الاختياري “والمسؤول” أشتاق أيضاً للوطن والأهل والأصدقاء، خططت لقضاء رمضان في نابلس، وكنت وعدت سلوى بالعودة في رمضان، الكثير من المشاريع المعلقة في البيت كان يمكن انجازها في هذه الاجازة الاجبارية. لعله خير..!
لكنني أحاول انجاز مشاريع برمجية متأخرة وأقضي وقتي في العمل هنا من البيت..
نسأل الله أن يحفظ أوطاننا وبلادنا وكل العالم من هذا المرض الخبيث وأن يعافي من أصيب به..
غودولو 13 نيسان، 2020

الابتزاز عبر الانترنت

من المؤسف أن يستمر العديد من الناس بالوقوع بالخطأ الذي حذرنا منه مرات ومرات على الفيسبوك وبمقالات ومقابلات.. اذا بنت ضافتك على فيسبوك أو سكايب وخضت معها محادثة وصلت لحد انك تخلع ملابسك أمامها على الكاميرا، إعرف انك ضحية مثل مئات أو آلاف الضحايا المماثلين بالعالم.. ضحية عملية ابتزاز قد تستمر الى الأبد وتدفع اللي فوقك واللي تحتك ولن يتوقف أو فضيحة اجتماعية قد تكون قاتلة…
في بلاد الله الواسعة وقع بهذه الحفرة أساتذة جامعيين وأصحاب مناصب رفيعة وموظفين وشباب صغار وكبار وأحياناً فتيات.. الأكثر أسفاً وقوع شيخ أو رجل دين أو شخصية مجتمعية محترمة بهذه الحفرة النجسة..
من ناحية المبدأ دعوني أوضح بعض النقاط (بدون خجل وبشكل مباشر):
أولاً: اذا كنت ضحية من الضحايا لا سمح الله:
1. اعرف ان في مثلك كتير ناس.. وان هذه ليست نهاية الكون.. وستمر هذه الأزمة بخسائر ولكن هي أزمة من ضمن أزمات حياتك.. حاول تقليل الخسائر من خلال مصارحة الدائرة القريبة منك أولاً… أعطيهم فرصة يمسحوا بكرامتك الأرض قبل أن يسمعوها من الناس..
2. أنت جزء من مجتمع منافق بعضه مستور وأنت انفضحت بسبب بلاهتك وغباءك.. المجتمع المنافق يمكن الاستدلال عليه من مراجعة أعلى المواقع تصفحاً في فلسطين وستجد عدداً من المواقع الاباحية ضمن الأعلى تصفحاً في فلسطين.. وبالتأكيد منهم شباب مراهقين ومتزوجين غير راضين عن حياتهم الجنسية..ومنهم الجامعي والجاهل والمتدين والصايع والضايع..!
3. من يعايرك أو سيعايرك سيكون له أيضاً مغامرات لكنه حالياً مستور ولكن من يسهم بالفضيحة سوف ينفضح بيوم من الأيام بطريقة أو بأخرى وسيتمنى الستر الذي كشفه هو لغيره.. (أستر على الناس ربنا بيسترك)
4. لا تخضع للإبتزاز تحت أي ظرف.. بالنهاية سيتم فضح الفيديو عندما يصل الابتزاز لنقطة النهاية، اذا كنت ذكي فعليك أن لا تنكسر أو تظهر ضعفك وعليك أن تواجه الخصم بعدم مبالاة وبالعكس أن تقول لهم: ابعتولي نسخة HD أعرضها لأصدقائي يشوفوني..
5. اتبع الاجراءات التالية:
أ. اقطع كل قنوات التواصل مع الجهات التي تبتزك
ب. قم بإغلاق حساباتك على كافة وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر وسكايب والايميل) اغلاق وليس خروج وترك الحساب فاعلاً..
ج. كن يقظاً بحيث اذا تم نشر فيديو فقم بالابلاغ عنه لحذفه أولاً بأول..
د. شارك مشكلتك مع أقرب الناس لك وحاول أن تطلب منهم المسامحة لأن كل ابن آدم خطاء.. فتش عمن يمكن له معاونتك دون اذلالك، صديق مقرب ليس بينكم سر..
هـ. لا تستسلم للإبتزاز حتى لو نشروه لك في كل محفل..
و. اذا انتشر الفيديو أنشر توضيحاً واعتذر لنفسك واستغفر ربك واعتذر للناس
ز. أنت بالنهاية رقم بالنسبة للعصابة التي تبتزك، بمجرد أنهم وصلوا لقناعة بصعوبة الوصول لك واستمرار ابتزازك فسيتركونك بحال سبيلك والحالات التي يتم نشر فيديوهاتها هي حالات قليلة وغالباً لشخصيات مشهورة لإخافة بقية الناس..
تخيل ان كل عصابة لديها 100 زبون بشكل مستمر ومش فاضيين يتابعوك ورح يفتشوا على غيرك.. لذلك لا تستسلم وتمالك نفسك..

ثانياً: اذا لم تكن ضحية ولكي لا تقع بهذا الوحل:
1. لا تقم باضافة أصدقاء لا تعرفهم على فيسبوك
2. لا تخلع ملابسك تحت أي ظرف أمام الكاميرا
3. لا تفتح فيديو مع اي شخص لا تعرفه شخصي (تكرار لنقطة 1+2) عشان التكرار بعلم الشطار
4. اعلم أن من مروا بهذه التجربة وصل بهم الضيق لدرجة التفكير بالانتحار، لا تحرق نفسك وعائلتك وأهلك بنزوة عابرة..
5. لازم مجتمعنا يحكي بصراحة بهذه القضايا وعلى المنابر وعلى وسائل الاعلام، استمرار تجاهل هذه المشكلة يزيد من عدد الضحايا
6. مؤخراً يتم ترويج تطبيقات مزورة للفيسبوك والواتساب، وهذه التطبيقات مصممة للإختراق، يعني حتى لو كنت تحكي مع حدا بتعرفه ممكن يكون في طرف ثالث بسجللك، ولذلك تأكد انك منزل النسخ الرسمية من التطبيقات من مواقعها الرسمية، وأيضاً لا تقم بتثبيت برامج غير معروفة الناشر.. فقط من خلال متجر الأندرويد الرسمي..

أخيراً وليس آخراً: من يقوم بعملية التصوير والابتزاز هم عرب من دول عربية أخرى، وهم مافيا ويستعملون عاهرات ووسائل تكنولوجية للتصوير والابتزاز.. ناس متخصصين وعارفين شو بيعملوا، ولذلك خليك صاحي ولا تعمي قلبك!

بين الحانة والمانة ضاعت فلسطين

حدثني جدي رحمه الله، وفي ذاكرتي الكثير من قصصه العظيمة، عن الصراع الذي نشب بين المجلسيين (جماعة “سيف الدين الحج أمين” قصده عن الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى) والمعارضين (جماعة النشاشيبي) في عموم فلسطين في منتصف الثلاثينات، في فترة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية التي كانت تسعى لإقامة كيان صهيوني على أرض فلسطين.

حيث أقامت المعارضة مهرجاناً خطابياً انتخابياً حاشداً في منزل أحد العائلات النابلسية العريقة الواقع في شارع بليبوس (حكى لي الاسم وأتحفظ عليه)، وقد طلب زعيم المعارضة وقتها من المُقريء الشيخ قراءة آيات من القرآن الكريم في افتتاح المهرجان الخطابي.. وقد كانت هذه الآيات بعد “بسم الله الرحمن الرحيم”:

(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) سورة نوح)

في اليوم التالي واثناء جلوس المقريء في أحد المجالس، واذا بالمرحوم (أتحفظ على اسمه أيضاً) زعيم المجلسيين يَقرصه من أذنه ويقول له: “لمين قرأت هذه الآيات؟؟، احنا الـكفار؟” فارتبك المُقريء وقال له: هيك زعيم المعارضة حكالي أقرأ..

فرد زعيم المجلسيين (وهو من عائلات نابلس العريقة أيضاً) أنه سيدعو الى مهرجان انتخابي خطابي غداً وعليه الحضور لقراءة الآيات الافتتاحية، حتى لا يتم احتساب المقريء على أي طرف، وقبل المقريء الفاضل (وإسمه عندي ايضاً رحمه الله)..

في اليوم التالي قرأ المقريء الآيات التالية بناءً على تعليمات زعيم المجلسيين: “وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) سورة الأحزاب”

وبين الفصيلين الكبيرين وقتها.. وتوظيف الوطنية والخطابات الرنانة وآيات القرآن المُحكمة، ضاعت فلسطين.. وكما يقول المثل: “بين حانة ومانة ضاعت لحانا”.. ولا حول ولا قوة إلا بالله

بودابست الجميلة..

بودابست تأسرني بجمالها، بنظامها وترتيبها، بأناقتها وردائها الطبيعي الفتّان..طُفت عواصم أوروبية عديدة، لم أجد لها مثيلاً، هي ليست حديثة كما باريس أو بروكسل، وليست قديمة كما أثينا وأمستردام، لكنها تجمع بين الحداثة والعراقة، بمبانيها الغنية بالتراث، وشوارعها الجميلة الأنيقة، وأرصفتها العريضة، وسكك قطاراتها الممتدة، ومرافقها الرائعة.

وسط بودابست هو مركز جمالها، حيث يلتقي السياح ويسيرون على كورنيش الدانوب، يجلسون على ضفافه أو يقطعون جسوره التاريخية التي يحمل كل جسر فيها قصة إنشائه، تتجول في هذه المنطقة دون ملل، تستطيع التنقل في المترو لكن التنقل بالباص أو الترام أجمل، وتعبر الدانوب على ظهر عبّارة هي ضمن نظام المواصلات الداخلي في بودابست.

لا عجب أن المجر كانت مملكة، وأن قصورها تحمل تاريخاً من الإعتزاز والفخر، وشعبها يحمل الكثير من الكبرياء. عاشت تحت الاحتلالات ثم هي الآن تنهض وتتغير كل يوم، ترتبط بشبكة مواصلات واسعة ودقيقة، وتتزين في كل مناسبة احتفالية.. شعبها مغرم بالاحتفال والسهر والشرب، يعيشون يومهم بسعادة غامرة ولا ينخرطون بحياة معقدة سريعة كباقي الدول الاوروبية.. بودابست تسير بإيقاعها الخاص، ومن فيها هادئون مطمئنون.

أما الدانوب فيقسمها نصفين، بودا و بست.. جزء يحافظ على التاريخ وجزء اختار طريق الحداثه، وعلى ضفة الدانوب يقع مبنى البرلمان، يمكنك الاقتراب منه والتجول في ساحاته، ويمكنك الدخول الى حرمه الداخلي. الى جانبه شبكة من الفنادق العالمية الخمس نجوم، ومقاهي وجلسات صيفية جميلة.

تنتشر في بودابست التماثيل والمجسمات، تخلد قادتها وتاريخها أو تحمل لمسة جمالية في مكان جميل، وعلى احدى الهضاب المطلة على الدانوب جلسات هادئة في احضان الطبيعة التي تتميز بها بودابست عن كثير من العواصم الأخرى.

هنغاريا..

السلام عليكم ورحمة الله،

أغيب وأغيب ومن ثم يعود بي الحماس للكتابة في مدونتي التي تكبر كل عام كما نكبر نحن، يبدو أن الفيسبوك أخذنا بعيداً عن التدوين، وأصبحنا نستسهل النشر فيه، لكن النشر هنا أدوم ويستقطب قرّاءا أكثر وسهل الرجوع.

منذ عام ونصف إلا قليلاً بدأت تجربة جديدة في حياتي، فقد حصلت على منحة لمتابعة تعليمي في دولة المجر (أو هنغاريا)، وقد التحقت بالجامعة لدراسة الدكتوراه في الهندسة، وفي تخصصي الذي لطالما أحببت وهو ادارة الجودة، وسأحدثكم لاحقاً في مقالات منفصلة عن مجالات الدراسة والتعليم في هنغاريا وعن الحياة فيها لمن يرغب الاستفادة.

أعيش حالياً في قرية تسمى “غودولو – Godollo” وهي قرية ريفية جميلة قريبة جداً الى بودابست عاصمة المجر، وترتبط معها بخط قطار سريع، بحيث نصل اليها في ظرف أربعين دقيقة.

وسأبدأ هنا بالتدوين في هذا التصنيف، عملاً بنصيحة أسداها لي صديقي علاء مع أني كنت أتجنب ذلك فيما مضى، وأترك لكم بعض الصور وسأقوم تباعاً باضافة المزيد مع المقالات الكاملة، المهم أنني أفتتح في مدونتي، ولو متأخراً، تصنيفاً جديداً بعنوان “أيامي الهنغارية”

ذكريات “تلفزيون آفاق” وما بعده

رحم الله الأستاذ عيسى أبو العز (الأول على اليمين بالبدلة)، فقد كان أول من وظفني للعمل في أثناء دراستي الجامعية.. كنت طالباً بالسنة الجامعية الثانية في كلية الهندسة، وكان عندي شغف بالانتاج التلفزيوني لكن لا امتلك الأدوات ولا أعرف ما يفعلونه حقيقة… ذهبت إليه، وأريته شغفي، استقبلني وبدأت العمل من اليوم التالي.. في فترة قصيرة أصبحت أحد الموظفين المؤثرين في التلفزيون (تلفزيون آفاق) وساهمت في احداث نقلات نوعية في مستوى الجرافيك والمونتاج، حيث قمت بتشغيل وحدة المونتاج البدائية وقتها لتحل مكان المونتاج اليدوي (non-linear video editing)، كما أنني نقلت البث من أشرطة VHS الى البث المباشر من الكمبيوتر بطريقة تشبه الى حد كبير ما كان يتم العمل به في الفضائيات (Automation) لكن بحجم امكانياتنا..

15259189_10153909144991227_2012889089134146161_o

بعدها بعامين أو أقل قليلاً انتقلت الى تلفزيون نابلس، وزاد شغفي بالعمل في هذا المجال، وتفجرت طاقاتي، وتعلمت أكثر بحكم أن حجم تلفزيون نابلس كان أكبر من حجم تلفزيون آفاق، وخضت تجارب رائعة صقلت موهبتي وخبرتي خلال تلك الفترة، كنت أنتج البرامج، والأفلام الوثائقية، واذا لزم الأمر أحمل الكاميرا، وكنت أعمل دون حساب للوقت، ولا أحس بالتعب… وكنت أحاول الموازنة بين دراستي وعملي، وكان عملي على حساب دراستي نوعاً ما.. لكن ما العمل؟؟ لقد كان شغفي..

كنت وبكل فخر من أوائل (إن لم أكن الأول) من عمل بتصميم مواقع الانترنت في نابلس بشكل احترافي، بنظام البرمجة وليس بنظام النسخ واللصق، تعلمت البرمجة بنفسي دون أي مساعدة (أنا مهندس صناعي ولست مبرمج يا جماعة) وأنشأت أول نظام لإدارة المحتوى وكتبته سطراً سطراً.. وكان وقتها سحراً لأصحاب المواقع.. ولا يزال هذا السحر يتقدم الى يومنا هذا..

ما ميّز عملي هو أنني أبرمج بعقلية المهندس، ويا له من فضل عظيم أنني مهندس صناعي… فقد كانت هذه الميزة الأفضل لي في عملي كمبرمج، لقد بنيت حلولاً الكترونية أستطيع ذكر بعضها هنا، وبعضها أحتفظ به لأنه من أسرار عملي.. لكني أثق بقدراتي وأذهب بمن أعمل معهم الى مسافات متقدمة من التخيل والابداع.. كنت اللاعب الأساس لعدد كبير من المشاريع الناجحة على الانترنت، بعضها تعرفونه جيداً مثل موقع تلفزيون نابلس، طقس فلسطين، عيادة الأطفال، وغيره الكثير الكثير.. ما أعلن عنه ومما أفضل عدم الاعلان عنه لخصوصيته..أنا أول من أنشأ موقعاً الكترونياً لمدينة نابلس على الانترنت، ولا يزال يعمل لهذا اليوم، موقع غير ربحي ويهدف لتوثيق تاريخ وحاضر نابلس..

كنت قد انتويت منذ فترة أن اكتب عن هذا مصطلح (ريادي الأعمال entrepreneurship) وقد أجلت الكتابة لحين توارد الأفكار، لكن رؤية صورة الأستاذ أبو يوسف رحمه الله أعطتني المنطلق الذي سأبدأ منه.. فأنا شخصياً لا أرى في هذه الكلمة إلا فرصة لشركات الاستشارات والتدريب واصحاب المشاريع الممولة لجلب المزيد من التمويل وتنفيذ المزيد من المشاريع الممولة والمدعومة من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. ومع أنني لا أمتلك احصائيات دقيقة لعدد الشركات الريادية أو عدد رياديي الأعمال الذين نجحوا فعلاً وكانوا من مخرجات هذه الاحتفالات الريادية الصاخبة وحافظوا على نجاحهم… إلا أنني أجزم أن كل هذه الفعاليات لم تكن الا فعاليات استعراضية فاز منظموها بحفنة من الدولارات، وفاز المشاركون فيها من الرياديين ببعض الـ Show off ثم انتهى كل شيء اما بعد الحفل أو بعد فترة قصيرة..

عزيزي ريادي الأعمال.. لست بحاجة لهذه المسميات، ولست بحاجة لإضاعة وقتك وأنت تتنقل من اجتماع الى اجتماع ومن ورشة عمل الى أخرى، أو من حفلة صيد إلى أخرى (Head hunting) تعرفون قصدي… انا كنت رائداً في كل مكان عملت فيه، وفي عملي الخاص كنت كذلك ريادياً… ولم أفكر يوماً في هذا المصطلح، ولم أسع يوماً للمشاركة في أي ورشة، وأذكر أنني ولحاجة في نفسي ذهبت مرة الى فعالية لـ Google في رام الله قبل بضع سنوات والتقيت صدفة بأحد مدراء المؤسسات التي تحتضن (الرياديين)، الحقيقة كنت جالساً الى جانبه صدفة… سألني عن اسمي ولما أخبرته شهق وقال لي: وينك يا زلمة، من زمان بدنا ياك.. تعال عنا ومنحتضنك… الحقيقة لم نتفق على موعد ولم أكن مهتماً جداً بموضوع الاحتضان لأسباب وقيود خاصة. والحكمة من هذا الموقف، أنك لن تحتاج لحاضنة ولن تحتاج لمن يبيعك الوهم، ما تحتاج له عزيزي هو مزيد من الشغف، المزيد من التصميم، والمزيد من التحدي..

طبعأً بعض الأصدقاء سيعارضون ما أقول..أتفهم ذلك، وقد تجدون في ما أقول تناقضاً تنتقدوني منه، لكني أقول لكم، طعموا الشباب خبز أحسن ما تطعموهم حكي..

السؤال المهم: كيف ستكون ريادياً؟ 😀

التعليم الجيد (التعليم بدون معلم فيما تحب وليس فيما يحب الأهل وأساتذة الجامعة)، الموهبة، الارادة، التخطيط، الفرصة، عدم الالتفات للمحبطين، أن تعمل وحيداً، وأن تكون عملياً وتعمل بما يجلب المال.. المال هو الهدف.. ركز عليه..

أخيراً، وهذه على الهامش، تذكرت نصيحة وصلتني عن صديق، عن زميلة، تقول: لا تعمل في الظل أبدا، وهذه الملاحظة الهامشية فيها الكثير من الالهام، وشكراً لها ولصديقي الذي نقلها لي…

 

نظام الآيزو 9001

الرسم البياني التالي يوضح توزيع المؤسسات الحاصلة على شهادة الجودة العالمية في فلسطين منذ عام 1998 حتى عام 2013.. ومن الملاحظ أن هناك فترة ذهبية للحصول على الشهادة هي في 2001-2002. ثم تراجع اهتمام السوق بهذه الشهادة، وهذا يرجع لعدة أسباب:

Picture1

1. عدم ايمان الشركات بأهمية تطبيق معايير الآيزو 9001 فعلياً وانما أرادوه شهادة تُعلّق على الحائط وتوضع على المنتجات والمعاملات الرسمية على أمل زيادة المبيعات… وهذا في الواقع يعكس جهل الناس (في تلك الفترة) بأهمية التطبيق الفعلي لمعايير الجودة الادارية… للأسف..

2. في تلك الفترة كان هناك ازدهار لشركات ومستشارين رائدين في فلسطين، وكان هناك انتشار لهذا الوعي بين الشركات وأصحاب البزنس، ناتج عن التسويق الايجابي لهؤلاء المستشارين.. الآن معظم المستشارين تركوا هذه المسألة لمسائل أخرى مثل التدريب، التطوير الاداري الفعلي، المشاريع الأوروبية، أو نماذج جودة أخرى.

3. هناك وعي حقيقي لدى بعض الشركات حالياً أن شهادة الجودة أو التميز تأتي تحصيل حاصل للتميز الحقيقي على أرض الواقع.. يعني نحن نعمل من أجل التحسين وليس من أجل الشهادة وحالما يأتي وقت التقييم والاعتماد فسنكون جاهزين لأن الجودة لدينا تصبح نظام حياة وليست شهادة وحبر على ورق.. وهذه الفئة أحييها وأتمنى لها المزيد من التوفيق..

شخصياً عملت مع شركات قليلة نوعاً ما على تطوير اجراءات العمل ومعايير الجودة الادارية وأعتقد أن منها شركتين على الأقل جاهزات لتقييم الآيزو…وسيحصلون عليه لو تقدموا للتقييم الخارجي..

البحثُ العلمي النوعي… بوابة الجامعات العربية نحو العالمية

تنظر الجامعات العربية بعين الغيرة والحسرة إلى المواقع المتقدمة في التصنيفات العالمية المعروفة للجامعات ومؤسسات التعليم العالي، وتتمنى الجامعات أن تدخل قائمة أفضل 500 جامعة عالمية أو أن تقف على عتباتها، لكنها وللأسف لا تضع لنفسها خريطة طريق تصل في نهايتها الى تلك المواقع المتقدمة.

هذا المقال ليس لجلد الجامعات ولا الدول العربية، وإنما لتسليط الضوء على نقاط الضعف وأهم الخطوات التي يمكن أن تؤدي في النهاية للوصول إلى مراتب أفضل الجامعات العالمية، ولو فرضنا جدلاً أن إمكانات الجامعات العالمية (الأوروبية والأمريكية) تفوق استطاعتنا نحن العرب، إلا أن مجرد العمل والاجتهاد من أجل الوصول إلى تلك التصنيفات سيؤدي إلى تطوير نقاط الضعف التي تحول دون وصول الجامعات العربية إلى العالمية.

تعتمد التصنيفات العالمية على معايير عديدة وبأوزان مختلفة، ولكن أهم هذه المعايير وأعلاها وزناً في عملية التصنيف هو البحث العلمي المحكّم والمنشور في مجلات عالمية ذات معامل تأثير Impact Factor، وأفضل تلك الأبحاث هي الأبحاث التي تحصل على أكبر عدد من الاقتباسات لأبحاث أخرى. مما يعني أن البحث المنشور له قيمة علمية عالية جعلته مرجعاً لأبحاث لاحقة في نفس مجال البحث.
الجدول التالي يبين معايير التقييم المعتمدة في تقييم التايمز العالمي THE:

o-SAMI-570

المصدر: الرابط

ومما هو واضح في هذا الجدول فإن معظم المحاور تقيس أداء الجامعات في البحث العلمي بشكل مباشر، وفيما يتعلق بالتعليم، فإن جزءاً من هذا المحور يعكس أيضاً تقييماً غير مباشر لأداء الجامعات في البحث العلمي. مما يعني أن أهم معيار لتقييم الجامعات هو انتاجها البحثي من ناحية الكم والنوع.

غُصت في الفترة الماضية باحثاً عن منحة لدراسة الدكتوراه في إحدى الجامعات الأوروبية، وتُقسم المنح إلى نوعين، النوع الأول هي المنح المبرمجة والمقدّمة من الحكومات أو المؤسسات المانحة، أما النوع الثاني فهو المنح التي تكون ممولة من خلال المشاريع البحثية، وهي الأكثر شيوعاً في أوروبا، حيث تحصل الجامعات على تمويل من القطاع الخاص أو الحكومي بغرض إجراء دراسات في مجال محدد مثل الصناعة أو الخدمات. فتجد أن عدداً من الجامعات البريطانية تحصل على تمويل من شركة أو قطاع تجاري محدد بهدف إجراء بحث لتطوير منتج أو خدمة أو القطاع ككل، فتستفيد الشركات أو الدولة من هذه الأبحاث (لأن نتائج تلك الأبحاث يتم الاعتداد بها والاستفادة منها فعلاً وليس ورقياً) كما وتحصل الجامعات على جزءٍ كبير من تمويلها من خلال تلك الأبحاث، وتقدم فرصاً تعليمية لمواطنيها من خلال عملهم على إنجاز هذه الأبحاث.

تعيش الجامعات العربية بمعظمها في جزر منفصلة وبعيدة عن قطاع الصناعات والأعمال، فتجد الجامعات العربية منهمكة في التعليم الأكاديمي، وتستقطب الطلاب وتفتتح البرامج الجديدة وتبتعد كل البعد عن التركيز على البحث العلمي، كركيزة من ركائز تطوير التعليم العالي. وإضافة لذلك تجد أن الجامعات العربية فيما بينها تتنافس تنافساً سلبياً لنيل أوسع حصة من سوق التعليم، وتُضيف أعداداً متزايدة من البطالة بين خريجيها.

إن الجامعات العربية، والتعليم العالي عموماً في العالم العربي لن ينهض إلا بتحالف حقيقي بين الصناعة والجامعات، بحيث تخصص المصانع والمؤسسات الحكومية وقطاع الخدمات والصحة جزءاً من ميزانيتها لإجراء عمليات البحث والتطوير في الجامعات وبالشراكة مع طواقم الجامعات البحثية والأكاديمية، كما يجب أن تسعى الجامعات إلى تنويع مصادر دخل ميزانيتها من خلال تلك المشاريع المختلفة وأن تخصص لذلك الكفاءات المهنية والدعم اللوجستي لكي تقنع الصناعات أنها على قدر المسؤولية وأن توصياتها ونتائج أبحاثها ليس حبراً على ورق وإنما ستسهم حقاً في تطوير تلك الصناعات.

كما أن الجامعات والباحثين العربي بحاجة إلى الانفتاح على الجامعات والباحثين الأوروبيين والعالم بشكل عام، ولعل توفر البنية التحتية من شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الأكاديمي مثل ResearchGate.com وغيرها سوف تساعد في إنشاء علاقات وتعاون في مجالات البحث العلمي. وكثير منا تابع المنح المتوفرة للتبادل الأكاديمي والبحثي بين أوروبا والشرق الأوسط من خلال مشاريع إيراسموس وتمبوس وغيرها، وهي مشاريع تهدف لتشجيع التبادل العلمي والبحثي بين أوروبا والعالم. فلماذا لا نستفيد نحن العرب من هذه المنح بالشكل الكامل لتطوير البحث العلمي في بلادنا.

إن التعاون مع الباحثين الأجانب سوف يؤدي الى تعزيز قدرة الجامعات على الانتشار، وإن قيام بعض الجامعات القادرة مادياً على استضافة باحثين أجانب فيها لهو شيء إيجابي إذا ما كان القصد فيه نقل المعرفة وليس شراء الخدمة. لأن الموارد المخصصة للتعليم العالي تنحسر في البلاد العربية شيئاً فشيئاً خاصة مع ازدياد معدلات البطالة وتراجع الاقتصاد وإثقال الميزانيات بمصاريف أساسية أهم من التعليم العالي بنظر الحكومات.

أتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي أرى فيه جامعات عربية عديدة تحتل مراكز عالمية في أهم التصنيفات العالمية، وأن يكون للبحث العلمي في العالم العربي أكبر الأثر في نهضة الشعوب والمجتمعات والصناعات والاقتصاد.