الهند كما رأيتها لأول مرة…

الفقر في الهند
لا أعرف كيف أصف لكم درجة الفقر الشديد التي يعيشها سكان الهند، يقال أن الحكومة الهندية حكومة غنية جداً، ومواردها كثيرة جداً، لكن هذا الغنى لا يعود بالنفع على المواطن لا من خلال تحسين وضعه المالي ولا من خلال توفير المزيد من الخدمات والرعاية له.
أعتقد أن شعباً كالشعب الفلسطيني لو عاش بمستوى الفقر والجوع الموجود في الهند فإن ثورات الجياع ستكثر وستشتعل انتفاضة كل يوم للدفاع عن رغيف الخبز والحياة الكريمة.
أناس ينامون في الشوارع، يستحمون في الشوارع، ينشرون ملابسهم المغسولة على جوانب الطريق، يعيشون وسط قذارة لا يمكن لإنسان أن يعيش فيها. رجال مستعدون للعمل ليل نهار لكسب قوت يومهم وللحفاظ على المستوى المتدني الذي يعيشون فيه، ولا أقول هنا تحسين هذا المستوى بل أقول الحفاظ عليه من التراجع أكثر.
النساء في الهند يعملن الى جانب الرجال وفي أقسى الظروف وأصعبها، شاهدت عشرات النساء يشاركن الرجال في الأعمال الشاقة كالحفر والرصف والعتالة والكناسة. قلت لزميلي الفلسطيني: “لتأت جماعات حقوق المرأة التي أوجعت رأسنا في فلسطين بحقوق المرأة لتأتي هنا وترى الرجل يقوم بجبل الباطون، وتسبقه المرأة للعمل بالطورية”، لا أرضى يوماً أن أرى زوجتي أو شقيقتي أو احدى نساء فلسطين يقمن بهذا العمل الشاق، ولتصمت نساء السشوار الباحثات عن حقوق المرأة عن المطالبة بمساواة المرأة بالرجل، أنتن تعشن في مجتمع يكرمكن ولا يطلبكن للعمل في حفر الأرض ولا صب الباطون…!

على كل حال أترككم مع بعض الصور التي التقطتها في ما سبق، وسأحضر لكم المزيد من الصور لنشرها في المستقبل القريب ان شاء الله… ومع أن هذه الصور ستبني لديكم انطباعاً سلبياً الا أنني أعدكم أن أنقل لكم جانباً مشرقاً من جوانب الحياة في الهند لكن بعد أن تكتمل الصورة لديّ، خاصة أن رحلتي الحقيقة في الهند ستبدأ في الأسبوع القادم ضمن البرنامج السياحي الذي ستأخذنا به المؤسسة التي نتدرب بها…

ولأكون صادقاً معكم، الهند بلد ضخم جداً وبه ما يزيد عن مليار نسمة، وفيه الكثير من التناقضات، بمعنى أنك ترى الفقر الشديد بأبشع صوره، وسترى الرخاء الشديد بأبهى صوره…سترى التخلف من القرون الماضية، وسترى الحداثة في بلد يحتكر أربعين بالمئة من صادرات تكنولوجيا المعلومات في العالم أجمع، وينتج الطائرات والصواريخ والسيارات والدبابات، والشاحنات وكل ما يخطر ببالكم…أترككم بعد أن شوقتكم لمعرفة المزيد لرؤية الصور، وأعود اليكم قريباً جداً…

 

زملائي في الدورة
(أفغانستان، زامبيا، السودان، غانا، الدومينيكان، كوبا، كرجستان، نيبال، كولومبيا، منغوليا، وطبعاً أنا من فلسطين)

مشاهد لدلهي من أعلى بناية المدرسة التي نتعلم بها




جامع مسجد (مسجد اسلامي ضخم وقديم في دلهي)




















صناعة الخبز


 من صور الفقر

رحلة في أرض الاسلام

نحن اليوم نتجه الى منطقة تدعى “نظام الدين”، وهي منطقة اسلامية مركزية كبيرة، يقيم فيها المسلمون الهنود ويؤمها آلاف المسلمون من كل أنحاء العالم لزيارة مركز اسلامي في المنطقة وهو عبارة عن مبنى من خمس طبقات، الأول منه مسجد وبقيته هو مقر اقامة وخدمات للمركز، حيث يجتمع مسلمون من كل أنحاء العالم من رجال الدعوة والتبليغ وينطلقون في رحلة للدعوة الى دين الاسلام في عشرات دول العالم المسلم وغير المسلم، يترك رجال الدعوة بيوتهم وأهلهم وأعمالهم أربعين يوماً على الأقل وينطلقون من هذا المركز لحمل رسالة الاسلام وايصالها الى ملايين العطشى لها من مسلمين وغيرهم.
نحن أيضاً اعتدنا الذهاب الى تلك المنطقة التي تبعد عنا مسافة كبيرة، ونحتاج لنصل اليها حوالي الخمسين دقيقة، في كل أسبوع، حيث نتناول هناك ما لذّ وطاب وسال له اللعاب من الدجاج المشوي والأرز البوري، واللحم الحلال الذي لا نأكله طيلة أسبوع كامل في فندقنا نظراً لأن الذبح لا يكون على الطريقة الاسلامية، ندخل الى هذا الملتقى الايماني والاسلامي، الايماني لأن هذا الملتقى يحوي عشرات حلقات العلم والدرس الديني، ومن كل اللغات وبكل الألسن، والاسلامي لأنك تستشعر عظمة هذا الدين وروعة كلمة التوحيد، لا أعرف ان كان ما سأقول فلسفة خارجة عن الصحة أو معنىً جديداً لكلمة التوحيد، فالتوحيد وفق المعنى المعروف هو توحيد الخالق، ووفق المعنى الذي تكتشفه عندما تشاهد الماليزي، والاندونيسي والروسي، والهندي والعربي وعشرات الدول والألسن الأخرى يجتمعون في مكان واحد متوحدين لرب واحد ويحملون رسالة واحدة، وما ان تقول السلام عليكم حتى يرد عليك عشرات منهم بلسان واحد “وعليكم السلام”.
مئات الرجال تركوا بيوتهم وحضروا هنا للإستزادة من هذا الدين، وللإنطلاق لدعوة اخوة آخرين الى رحمة هذا الدين العظيم، والحقيقة أن كل الظواهر السلبية التي ذكرتها سابقاً في احدى مقالاتي عن دولة الهند يمكن ببساطة أن تتغير بدخول هذا الدين وانتشاره في هذا البلد الذي يحوي ملايين المسلمين تبلغ نسبتهم وفق المعلومات المذكورة عبر الانترنت الى 14 بالمئة، والهند بلد يعج بالأديان والطوائف والتوجهات، ومعظمهم يعبد الأصنام ويقدس الحيوانات كالبقرة والقرد والقط والفأر والفيل.. ديانات مختلفة لم أفهمها بعد، لكن بجميع الحالات أعتقد أن الها واحداً هو الله سيكون مقنعاً أكثر لهم من هذه الآلهة لو وصل اليهم أحدٌ ما ليبلغهم بالله…وديناً واحداً سيغيرهم ويجعل منهم نموذجاً للخير هو الاسلام ان جاءهم من يحمل رسالة الاسلام الصحيحة الى قلوبهم. فالهنود وان كنت قد أثقلت عليهم سابقاً بإحدى مقالاتي إلا أنّهم أناس بسطاء طيبون، رقيقون لا تحتاج لتصرخ على أي منهم، وتحس وأنت بينهم أنك موجود بين أناس مسالمين لا يعرفون الحقد والضغينة، وفي كثير من الأحيان نقف انا وصديقي السوداني بدر أمام المعبد الخاص بهم لنشاهدهم وهم يأتون اليه للبكاء والتضرع للصنم الموجود فيه، بعضهم يصلي للـ (البسطة) التي يبيع عليها، أقول لبدر ولكثير من الاخوة المسلمين: هؤلاء يبكون تضرعاً لصنم، ويصلّون لبسطة الرزق، فكيف اذا عرفوا الله حق المعرفة وعلموا أنه الرزّاق الغفور الرحيم؟؟
ولنعد الى نظام الدين، اليوم رحلتنا مميزة، فمعي أخ فلسطيني وصل منذ عدة أيام ليلتحق بدورة تدريبية ضمن نفس البرنامج الذي ألتحق به، لكن بموضوع مختلف، هو رجل يزيد عن الأربعين يقال له أبو ثائر، وله من الأولاد خمس أولاد، ويعيش في مدينة رام الله ويعمل في وزارة الحكم المحلي وقد أمضى في سجون الاحتلال ما يزيد عن خمسة عشر عاماً، ومعي أيضاً أخ مسلم من كرجستان، وهي بلد اسلامي أصيل من دول الاتحاد السوفييتي السابق، (اسمه باكيت، وبالعربية بخيت)…وقد تستغربون أننا تعرفنا في نظام الدين الى رجال من نفس البلد ومن طاجيكستان، وأوزباكستان وكازاخستان يحملون أسماءً عربية أصيلة كعثمان وعلي ومحمد وغيره… فهذه الدول هي دول مسلمة أصيلة، وبنظري فإن ايمان أحدهم يعدل ايمان سبعين منّا، فهم ليس لهم على الاسلام أعوان الا الله ورجال الخير من أهل الله.
باكيت شاب متزوج أيضاً، لكن معرفته بالاسلام سطحية جداً، وهو بعيد يرغب بالاقتراب الى الاسلام وتعلم أصوله، والعمل بكل أوامره، جاء بالصباح الى صديقي السوداني وأخبره أنه بدأ يصلي من ليلة الأمس، وسررنا بذلك ودعوناه ليرافقنا الى المسجد لأداء صلاة الجمعة ثم اصطحبناه في رحلتنا الى ديار الاسلام في نظام الدين.
كثير من زملائنا بات يتندر بنا نحن المسلمون كوننا بعيدون عن مفاهيم التحرر الأخلاقي والحرية التي يعيشونها “وفق مفهومهم للحرية”، وبعض المسلمين أيضاً يحملون مفاهيم التحرر تلك بدرجة أكبر من التحرر نفسه الذي يتحدث عنه أصحاب التحرر من أصحاب الديانات الأخرى أو أصحاب “اللا دين”، نحن نحاول أن نوصل لهم أن ديننا هو دين تسامح ومحبة وتعاون، ونحاول أن نعكس لهم الاسلام من خلال اظهار أخلاقنا وسلكونا الصحيح الذي تربينا عليه في أوطاننا، قد يكون هذا سبباً في محبة الكثيرين منهم لنا، فقد تم انتخابي لكي اكون قائداً لصفي وبعضهم اتصل بي يوم أصبت بالانفلونزا التي أقعدتني في غرفتي ليوم كامل أكثر من خمس مرات ليطمئن عليّ، وعرض بعضهم جلب الطعام لي الى الغرفة ان احتاج الأمر لذلك.
نعود مرة أخرى الى نظام الدين، ولباكيت الذي اندمج لحظة دخوله الى المسجد وبعد أداء صلاة العصر فيه مع مجموعة من الناطقين بالروسية واستمع الى درس الدين معهم، وجلس وتعارف اليهم، وحتى أذان المغرب كان باكيت منسجماً كظمآن وقع في نهر ماء عذب، أما أنا وبدر فجلسنا نستمع الى حلقة أخرى للناطقين بالعربية من المسلمين الحاضرين من الدول العربية ولغيرهم من الناطقين بها، وشيخنا هو داعية هندي الأصل أتى داعياً الى فلسطين في ستينات القرن الماضي وافتتح أول مركز دعوي في الأردن في أواخر السبعينات من نفس القرن، حيث تطرق الى تلك المواضيع من خلال درسه، فضلاً عن حديثٍ مشوّقٍ في الاسلام وتعاليمه وقصة بني اسرائيل وسيدنا موسى عليه السلام.
أما أبو ثائر فهو قد عثر على داعية فلسطيني من عكا ولديه بعض القهوة الفلسطينية وخرجا ليتناولا القهوة ولكي يدخن أبو ثائر مع الفنجان الذي عبر لنا مراراً عن اشتياقه له.
كانت همهمتنا بالخروج في كل مرة تعود أدراجها لمجرد رؤية باكيت جالساً مع أبناء قومه ويعيش في جوٍ ايماني عميق، هذا الشاب ليس مثلنا، فنحن ولدنا على فطرة الاسلام، ونحمد الله على ذلك طبعاً، لكن هذا الشاب يستطيع ترك الاسلام واختيار أي دين آخر، لكنه يأتي هنا بملء ارادته ويقبل على الاسلام بنهم شديد بنية الهداية والاقتراب من الله. ونسأل الله أن يعينه ويعيننا على أنفسنا لنقترب واياه من الله أكثر.
عندما حان موعد المغادرة بعد صلاة العشاء، واذا بباكيت قد سعد بإخوة من أبناء وطنه وهم وجدوه هبة من الله لهم، خرجنا على نية العودة بالاسبوع القادم للقاءهم مرة أخرى، واتصلنا بصديقنا أبي ثائر الذي كان قد انغمس بالتسوق في السوق المسلم يشتري بعض احتياجاته، مشينا قليلاً ودخلنا الى عمق المنطقة ووجدنا أماكن تستحق الزيارة في الأسبوع القادم.
أختتم يوميتي هذه بأن أعتذر لكم عن طول الحديث أولاً، وأن أنقل لكم فخري الشديد بديني العظيم (الاسلام)، وان كان بنا من نعمة كبيرة فهي الاسلام، فالحمد لله على هذه النعمة والحمد لله أن الاسلام جاء بلغتنا العربية لنفهمه أكثر، ولنؤمن بالله أكثر.