العام الجديد… بنكهة هندية

هذه هي المرة الأولى التي ألمس فيها احتفال الناس بمناسبة رأس السنة، نحن المسلمون لا نحتفل بهذه المناسبة، وفي نابلس نكتفي بالاحتفال بالعطلة في هذا اليوم.

في الهند التحضيرات للإحتفالات تسبق يوم الاحتفال الكبير بأيام، زينة وأضواء، اعلانات عن سهرات، الكل يسأل الكل أين ستحتفل بالعام الجديد… لكن أنا لم أضع في تفكيري سوى يوم العطلة الذي أشتاق اليه نظراً لحاجتي لمزيد من النوم.

أيام العطلة الأسبوعية هي السبت والأحد، ويوم الثلاثاء هو يوم العطلة بمناسبة العام الجديد، وعندما تقابل أحداً يبادرك التهنئة بالعام الجديد…

ما ان دَخَلت الهند في الظلام، حتى بدأ الناس بالتجمع في الساحات والأماكن العامة، خرجنا أنا ومالك لنتمشى في جولة أخيرة لنا قبل مغادرة مالك عائداً الى سوريا، بلد اقامته..

أعداد غفيرة من رجال الشرطة، وتجمعات بالمئات لهم، كما أن الاجراءات الأمنية مكثفة، لم نفهم ماذا يحصل، لكن في الفندق أخبرونا أن الشعب الهندي مع حلول منتصف الليل يصل الى ذروة سكره، وقد ينتج عن ذلك الكثير من الاشكاليات، ولذلك فإن قوات الأمن تقوم بالتجمع قبل فترة كافية لكي تتدخل في حال وقوع أي اشكاليات.

دُعينا الى حفلة صاخبة نظمها الفندق، تداولت الأمر في نفسي وكان قراري النهائي أن لا أذهب، افتقدت صديقي بدر، وهو شاب سوداني يكبرني ببضعة أعوام ويعمل في وظيفة كبيرة في مؤسسة حكومية سودانية، طبعاً معالم الابتهاج بدت على الجميع، وجميع الزملاء من كل أنحاء العالم، جاهزون للرقص والشرب حتى الثمالة، خرجت بعد العشاء من مطعم الفندق الذي سيقام به الحفل وتوجهت الى غرفتي، وحاولت الاتصال ببدر والذي تبين أنه اختار البقاء في غرفته أيضاً، دعوته وجلسنا نتبادل بعض الأحاديث وتطرقنا الى احتفالات هؤلاء الناس، وتواصلنا كلانا مع الأهل من خلال الانترنت المتوفر في غرفتي.

اتصلت بصديق هندي لي أستعين به في بعض الأمور الخاصة بعملي واستغرق الوقت منه ما يقارب خمسة دقائق لكي يتذكرني، ليس لأني لا أتحدث معه بل لأنه كان ثملاً لدرجة أنه لم يكن يستمع لحديثي، وبعد أن تدخل صديقه نصف السكران للتعرف اليّ اعتذر مني وأخبرني أنه ثمل ولا يستطيع الحديث الآن.

خرجت وبدر من غرفتنا متوجهين الى الشارع، وكان ذلك قبل منتصف الليل بقليل، وتجولنا لنرى رجال الشرطة المستنفرين والذين كانوا يأخذون وضع الاستعداد لمجرد رؤيتنا من بعيد، ظنّاً منهم أننا قد نكون من مثيري الشغب الثمالى. وصلنا الى قاعة الفندق التي صخبت بها الموسيقى، ودخلنا لنلقي نظرة، وجدنا بضعة شباب ذكور لا اناث بينهم، يرقصون وهم ثملون بطريقة غريبة، وخرجنا وقررنا العودة الى غرفتنا خاصة أننا بدأنا نحس أن أثر الشرب بدأ يظهر على كل الهند، فالسيارات المسرعة والسائقون السكيرون، والشوارع وعصابات مثيري الشغب صارت تشكل خطراً على كل عاقل في هذه الليلة.

في اليوم التالي التقيت بصديق هندي، وكان يضع نقطة حمراء على رأسه، ولعل بعضكم يتساءل ما هذه النقطة التي يضعها الهنود؟ الحقيقة أن لها معنى لا أعرفه لدى المرأة، لكن عند الرجال، فإن صباح الرجل الهندي يبدأ بالمرور على المعبد والقيام ببعض الطقوس التي تنتهي بمباركة رجل الدين الهندوسي وقيامه بوضع النقطة على رأس الرجل.

لقد بدا أن هذا الهندي قد ارتكب الكثير من المعاصي والآثام في هذه الليلة، وهو أصبح عند الآلهة التي يعبدونها (والتي سأخصص لكم مقالاً خاصاً عنها) لكي تتجاوز له عن سيئاته، وتتناسى ما فعل.

كنت قد افتقدت مالك منذ الليلة الماضية، والحقيقة أنه لم يعد الى غرفته حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وهي الساعة التي توقفت فيها عن البحث عنه، ومع طلوع الفجر، ولمعرفتي أن موعد سفره هو مع طلوع الفجر، خرجت للبحث عنه حيث لم يكن موجوداً في غرفته، وذهبت الى الفندق المجاور فقد يكون مغادراً منه، وفي النهاية وجدته يأخذ لفة الوداع في شوارع الحي الذي نسكن فيه، ويلقي النظرة الأخيرة على آخر صباح هندي له، بعد ليلة لم يبدو أنه رأى النوم فيها.

يوميات هندية – اليوم الثاني 23/12/07

استيقظت مبكراً، قررت الخروج الى الشارع لرؤية الصباح الهندي عند افتتاح السوق، خرجت من الفندق، وذهبت لتناول الفطور، للأسف كان وقت الفطور قد انتهى أو لسبب ما لم يتم افتتاح المطعم صباح هذا اليوم، قررت الذهاب في جولة قصيرة في المنطقة، لمحاولة رؤية البلد من زاوية أخرى، كان هناك مظاهر جميلة للمنطقة، أصحاب المحلات يفتحون أبواب محلاتهم ويرشون الماء أمامها، الناس في تلك المنطقة كما أسلفت، فقراء جداً، لدرجة أنهم مستعدون للعمل في أي شيء يمكنهم عمله، بعضهم يعمل مساحاً للأحذية، طفل لا يزيد عمره عن عشر سنوات يحمل صندوق البوية وينتقل من جهة الى أخرى لإقناع الناس بتلميع أحذيتهم، العشرات من الأطفال يفعلون نفس الشيء، رجال يعملون كفتاحي أبواب، بحيث يقف هذا الرجل أمام باب المحل من الصباح الى المساء لكي يفتح الباب ويغلق الباب لزبائن المحل أو زبائن الفندق.

image002.jpg
المئات من سائقي الدراجات الهوائية يرجون منك الركوب معهم، الفقر يدفع الانسان للعمل بكل المهن، ولا بأس في ذلك، طالما كان العمل شريفاً ويقي الانسان من الجوع…
قد يكون لهؤلاء أحلامهم، ولحياتهم طعمها الذي يستمتعون به، لكن في فلسطين لا توجد مهن قليلة القيمة هكذا…ولا يعقل أن دولة بحجم الهند لا تجد الحكومة ما يمكنها من أن تسد حاجات هؤلاء الأساسية، هل بات السلاح النووي أكثر أهمية من خبز هؤلاء الجوعى؟

image005.jpg
عدت لأحضر الكاميرا لإلتقاط بعض الصور لكم من هذا الصباح الهندي، لكن للأسف كانت البطارية بحاجة الى الشحن، وأصبت بالاحباط، وقررت العودة الى النوم. وما ان وضعت رأسي على السرير حتى تذكرت مالك.. الشاب الذي التقيته يوم أمس…
عدت ونهضت وخرجت لأسأل عنه، ووجدته في فندق مجاور، اتصلت عليه ونزلنا سوياً، وبدأ مالك بتوجيه النصح لي، لا تضع نقودك في مكان واحد، لا تترك شيئاً ثميناً في غرفتك، قم بإيداع ما يزيد عن حاجتك في أمانات الفندق، لا تعطي أي فقير أي مال، فهم عبارة عن مجموعات تخبر بعضها بعضاً واذا بدأت بالدفع فلن تنتهي، قم بمفاوضة التجار على أسعار مشترياتك، لا تشتري من المحل الأول الذي تدخل اليه..
خرجنا انا ومالك وبدأنا بالمشي من منطقة الى أخرى، وكلما تقدمنا الى الأمام كنا نلمس تحسن أوضاع الناس، استغربت قيام الناس بتشغيل عشرات مولدات الكهرباء الصناعية وذلك بسبب انقطاع الكهرباء، أخبرني مالك أن الانقطاع اليومي للكهرباء يحصل في هذا الوقت وهو مقصود من قبل الحكومة بسبب الضغط الهائل على الشبكة، عاد الى ذهني اهتمام حكومة هذا البلد بإمتلاك السلاح النووي وعدم اهتمامها بالطاقة النووية وفوائدها…
لفت انتباهي أيضاً كثرة الكلاب في الشوارع، عدد كبير جداً، المئات منها تسير بكل راحة وطمأنينة بين الناس، دون أن يكترث أحد لأمرهم، تذكرت خبراً قرأته في احدى صحفهم عن مقتل مدير ملجأ لرعاية الكلاب وعشرة كلاب آخرين بسبب طعام ملوث، من وجهة نظرهم فإن الحيوانات كائنات حية يجب الاعتناء بها وتجنب ايذائها…
تحادثت مع مالك كثيراً حول أوضاع الهند، لخّص مالك حال البلد بعدة كلمات: “الهند بلد التناقضات وسترى ذلك بعينك… ”
وصلنا الى محطة المترو في المنطقة، قام مالك بشراء بطاقة تنقل لي بدولار واحد عبر المترو ويمكنني استخدامها عدة مرات للتنقل من مكان الى آخر باستخدامه. حقيقة أن ثلاثة شهور أكسبت مالك ما يكفي من الخبرة لمعرفة البلد بشكل جيد.
ركبنا بالمترو متوجهين الى باليكا بازار، وهو مجمع تجاري كبير، مليء بكل شيء وله عدة أقسام، أصحاب المحلات يتمتعون بدرجة عالية من الصبر وتحمل غلاظة الزبائن وكثرة غلبتهم، وما أغلط ولا أكثر غلبة من مالك الذي كان يستمتع بإستفزازهم، قلت له سيطردونك، في ذهني التاجر الفلسطيني الذي لا تستطيع التفاوض معه على السعر، “مالك، بطل ال Bargain” وهي كلمة هندية تعني المفاصلة على السعر، وبعد عدة مفاوضات استطاع مالك تخفيض ثمن ست قطع فلاش ديسك من تسعمائة روبية الى ثلاثمائة وثلاثون للقطعة الواحدة (الدولار يساوي 39 روبية)، حين أشرف التاجر على البكاء من كثرة النقاش مع مالك على السعر، فقد تجول مالك في معظم محلات المجمع التي تبيع هذه القطع، وقام بمفاصلتها جميعاً، يطلب البائع شيئاً ويعرض مالك دفع ما يقارب ربع السعر المطلوب أو أقل، وأحياناً يسخر مالك منهم بسبب محاولتهم استغلال كونه أجنبي ورفع الأسعار بشكل كبير، ببساطة هذا هو ال Bargain والحق بيد مالك، كيف يعقل أن السعر الأخير لقطعة يعادل ثلث المبلغ المطلوب في أول مرة؟ يجب أن تفاصل على أي شيء… وقد جربت الموضوع وحصلت على تخفيضات ممتازة لكن برأي مالك ففد استطاع هؤلاء أن يضحكوا عليّ…
خرجنا من باليكا بازار، وتوجهنا الى السنترال بارك، وهي حديقة من أروع ما يمكن، بدأت وجهة نظري السلبية التي تشكلت في اليومين الأولين بالتغير، الهند بلد رائع جداً… لا أعرف لماذا أربط الكثير من الأمور التي أراها في البلدان الأخرى بما يحدث في مدينتي “نابلس”، ففي عاصمة الدولة الهندية، تقوم الحكومة ببناء حديقة في وسط العاصمة، تتسع لآلاف المتنزهين، وحول هذه الحديقة الضخمة مئات المحلات التجارية الراقية، فيما تقوم بلدية نابلس ببناء مجمع تجاري ضخم في قلب مدينة نابلس الأثرية الجميلة لتنزع جمال هذه المنطقة، ولتحولها الى منطقة مكتظة أكثر بالباعة والناس، ليست نابلس بحاجة الى هذا الحجم من الأبنية، ويكفي أن أقول لكم أن أعلى بناية سكنية في الهند لا تزيد عن أربع طبقات، حتى الفندق لا يرتفع أكثر من أربع طوابق، ولهذا فإن العاصمة كبيرة جداً وممتدة بشكل منظم على شكل مربعات سكنية ممتدة على مد نظرك… هذا هو الفرق بين حكومة تفكر براحة المواطن وبين حكومة تفكر في استثمار المواطن.!
لنعد الى السنترال بارك، على حدودها الدائرية معرض للصور الهندية، صور لكل شيء جميل في الهند، معرض ضخم يذكرني بزميل لي في الجامعة يقوم بشكل دائم بتنظيم معارض بشكل مستمر في الجامعة، ويتناول فيها الكثير من القضايا والمواضيع، الصور في هذا المعرض تشمل كل الطوائف أيضاً بما فيها المسلمون، الذين يقال أحياناً أنهم يشكلون أكثر من ربع السكان في الهند.
الباعة المتجولون لهم حضور أيضاً في هذه الحديقة، لكنهم يبيعون المكسرات والمشاوي، والكتب القيمة..الشعب الهندي شعب قاريء وبيع الكتب في العاصمة تجارة مربحة، وزملائي في الدورة أقبلوا على شراء الكتب بكميات كبيرة، أحسست بنقص في هذه الناحية، فأنا لم تتملكني الرغبة بالدخول الى المكتبة من الأساس أو النظر الى الكتب…
اليوم الثاني في الهند كان يوماً من طعم آخر، تغيرت فيه نظرتي الى الهند وبدأت بالتعادل مع النظرة السلبية التي رأيتها في أول يومين، يمكن القول أن الهند دولة نامية تمشي بخطى ثابتة نحو التقدم والارتقاء، لكنها بحاجة الى كثير من العمل.
في المساء تحادثت مع الزملاء عن ما رأيته اليوم، كان هناك اتفاق على أن الهند بلد التناقضات، وفيها من كل المستويات سواء الفقير أو الغني، المتعلم أو الجاهل. ولكن الهند تتغير بسرعة، بعض الأصدقاء الذين تواجدوا في الهند قبلنا أكدوا لي أن الهند لم تكن هكذا قبل ثلاثة شهور عندما كانوا قبلنا، مما يؤكد أن العمل يجري على قدم وساق للنهوض بهذا المارد الآسيوي ذي العدد الضخم من القوة البشرية يعادل سدس سكان العالم…
قد تتشابه يومياتي في الأيام القادمة، لذلك سأحاول الحديث بشكل خاص عن كل جانب من جوانب الحياة الهندية، كالطعام الهندي، والمسلمون في الهند، الأسواق الهندية، الأناس الهنود، العبادات الهندية والطقوس الدينية الموجودة، المرأة الهندية، العملة الهندية، التكنولوجيا الموجودة… كما سأقوم بالكتابة لكم عن زملائي الذين سأتعرف عليهم لاحقاً.
كما أن الشركة التي نتدرب بها ستقوم بأخذنا في جولات سياحية الى مناطق أثرية، وسأعمل على تدوين وقائع هذه الرحلات بشكل دائم…

يوميات هندية – رحلة الى الهند

منذ اللحظة الأولى لخروجي من فلسطين، قررت أن أكتب وقائع تجربتي الهندية، وسفري الى الهند في أول تجربة لي خارج الوطن، الحقيقة أنني فعلت الكثير للحصول على هذه الرحلة، وجاء القبول فيها في وقت حرج جداً بالنسبة لي، وكونها التجربة الأولى لي خارج الوطن، ولكونها تجربة قلما يحصل عليها أحد، فقد قررت تدوينها لحفظ ذكرياتي أولاً، ولعلي أستطيع توفير شيء يمكن لمن سيخوض التجربة بعدي الاستفادة منها.وصلت الى الهند في رحلة شاقة مررت فيها برحلة المشقات التي يمر بها كل فلسطيني يخرج من فلسطين الى الأردن، محلقاً في الطائرة الى الهند، وبدأت بكتابة مدوناتي وتجاربي وسأستمر بكتابتها الى أن أغادرها عودة الى الوطن…

من نابلس الى الأردن

نحن في فلسطين عموماً نفضل السفر مبكراً، لكن ليس لنصل مبكراً، بل لكي نستطيع الوصول متأخرين قليلاً، ولذلك قررت الخروج قبل موعد الطائرة بيوم، لتجنب أي طاريء يمكن أن يحصل، ولكي أزور شقيقتي التي تعيش في الأردن، وكعادتنا نحن العرب وحفاظاً على تقاليدنا العربية، “تأخر السائق” الذي يفترض به ايصالي الى الجسر على نهر الأردن، وحضر أخيراً ولم ينوّه لنا أو يعتذر عن تأخيره، ونحن لم نسأله طبعاً، لأننا نعرف التقاليد التي نتحلى بها دوماً..!وصلنا الى الجسر لتبدأ المعاناة، ففي كل دول العالم عندما يسافر انسان من دولة الى أخرى، فإنه يجب أن يمر بسلسلة اجراءات ترتبط أساساً ببلد المغادرة أو بلد الوصول، لكن نحن في فلسطين نمر بثلاث سلاسل تبدأ من الفحص لدى المعابر الفلسطينية، ثم الى الفحص الاسرائيلي، ومنه الى الفحص الأردني.وفي ثلاثة هذه المراحل تحس بصعوبة الظروف التي يمر بها الانسان الفلسطيني، ولتلخيص ما حصل أكتفي بالقول أنني قضيت عابراً من فلسطين الى اسرائيل أكثر من عشر ساعات، أمضيت ثلاثة أرباعها لدى المنطقة الفلسطينية والأردنية. وشاهدت فيها ما يجعلك تكره فكرة كونك عربياً من الأساس…

رحلة الطائرة

المرة الأولى التي أركب فيها هذا الطائر الحديث، عشرات الاشخاص من كل الألوان والأجناس، ولكل منهم سببه الخاص للرحيل، يركبون الطائرة، أعجبت كثيراً بمطار الملكة علياء الدولي، وبمستوى النظام والترتيب والنظافة، الحقيقة أن المطار هو واجهة البلد التي يمكنك من خلاله معرفة المكان الذي وصلت اليه أو خرجت منه، علماً أنني لم أشاهد عمان “العاصمة” والتي يقال أنها أصبحت جميلة.المهم أنني ركبت الطائرة، وانطلق بنا قائدها الى أعالي السماء لتشاهد عمان من فوق والأردن، وليغدو سطح الأرض في ظلمة الليل وكأنك تنظر الى وعاء من المجوهرات اللامعة، لآليء من كل الألوان، ورحلتنا التي طالت خمس ساعات مرّت من فوق دولة عُمان وعاصمتها “مسقط”، وقد شدتني بروعة أضوائها وكأن رساماً ماهراً قد رسمها ورسم فيها بعض البقع السوداء المظلمة والتي كان البحر يغطيها، ثم وجدت نفسي أستسلم للنوم لأصحو على صوت قائد الطائرة يخبرنا بقرب موعد وصولنا، ولأتجاذب الحديث مع الرجل الجالس الى جانبي، وهو فلسطيني يعيش في عكا المحتلة ويحمل جواز سفر اسرائيلي، ويبدو أنه من رجال الدعوة والتبليغ، وقد تحادثنا عن طبيعة الحياة في الهند، كونه قد سافر مراراً اليها، ونصحني بزيارة الأحياء الاسلامية في الهند في حال رغبت بتناول اللحوم المذبوحة على الطريقة الاسلامية، فضلاً عن بعض النصائح التي تعلمها من زياراته المتكررة هناك.في المطار كان هناك شخص بإنتظاري، وقد أركبني بسيارته التي يجلس فيها السائق على اليمين بعكس النظام المتبع في فلسطين والمنطقة العربية، فالهند كانت مستعمرة بريطانية، ولا زالت السيارات فيها تقاد من اليمين، وبعكس حركة السير التي نعرفها، ما لفت انتباهي في الهند هو معالم الفقر التي تستطيع ان تدركها منذ اللحظة الأولى لخروجك من الطائرة، رجال شرطة نحيلون، متعبون، عاملون يحملون الفقر فوق جبينهم وتلتصق ظهورهم ببطونهم، فقراء ينامون في أرض المطار وعلى جوانب الشوارع، فضلاً عن الخيام التي تستطيع رؤيتها على امتداد الطريق من المخيم الى الفندق…

الفندق..

وصلت الى الهند مع قرب بزوغ فجر جديد،  تستطيع رؤية استمرار الحياة حتى بعد انتصاف الليل هناك، ودخلت الى الفندق، وانتقلت الى غرفتي، بساطة الفندق لا تجعله قابل لعد النجوم، باستثناء نجوم الظهر التي يمكن عدها طيلة وقت بقاءك في غرفتك، بناء قديم، وغرفة لا تستطيع البقاء فيها للحظة، لكن نعاسي الشديد جعلني أستلقى دون عدّ النجوم لأدخل في نوم عميق وأستعيد عافيتي بعد هذا السفر المتعب.

image004.jpg

 في الصباح خرجت الى الشارع لرؤية حال الهند، وشاهدت حالاً لا يمكن أن تتوقعه في بلد تستقطب الناس للحضور اليها، ولعل الوزارة التي دعتنا الى الهند أخطأت بمكان الفنادق، أو لعلها أرادت أن تبرهن لنا أن الدولة التي يشكل عدد سكانها سدس العالم، وتبلغ حصتها من اجمالي انتاج العالم في مجال تقنية المعلومات أكثر من أربعين بالمئة، تعاني أيضاً من أزمة الفقر، الناس فقيرون جداً ضعيفون جداً، لكنهم طيبون ورقيقون جداً، خدومون جداً، ويرحبون بالضيف…مشيت قليلاً أبعد من بوابة الفندق، ذهبت الى الشارع الرئيسي في المنطقة التي أقيم فيها، ووجدت أشياءً أراها لأول مرة في حياتي، الناس لا يركبون الكثير من السيارات، ومركبتهم الأساسية هي أقدامهم، ثم  تأتي الدراجة الهوائية، ويأتي بعدها الدراجة النارية التي يمكن أن أقول أن الهند تمتلك العدد الأكبر منها في العالم حسب تقديري، الآلاف منها تسير في الشوارع، كما أن المواطنين قاموا بتطويرها لتصبح على شكل سيارة بثلاثة دواليب، يركب بها اضافة الى سائقها راكبين من الخلف، وهي تحمل لوحات ترخيص شأنها شأن باقي المركبات، بالاضافة طبعاً الى أن الدراجات الهوائية تحمل لوحات ترخيص، لأنها تصنف على أنها مركبة ميكانيكية تعبر الطريق

.يبدو أن مظهري يكشف بسهولة أنني أجنبي وغريب عن البلاد، هذا ما يتقن معرفته متسولوا الهند-وهم كثر جداً- وبدأو بالزحف نحوي عشرات وآحادا… بعضهم يتقن فنّ الشحادة لدرجة أن أماً تحمل طفلاً لا يتجاوز الثلاثة أعوام، بدأت تطرح عليّ السلام بالعربية: “السلام عليكم، ساعدني، الله يعطينا” وابنها المحمول بدأ يلوح بيديه قائلاً: “سلام أليكم”…هربت عائداً الى الفندق، وفضلت أن أقضي المزيد من الوقت في غرفتي لعلي أستوعب الصدمة التي حلّت بي، غرفة أقل ما يقال عنها أنها مقرفة، وفي الخارج أماكن لا أستطيع تجاوزها والسير بها… والأمر مؤسفٌ جداً…كنت قد سألت عامل الفندق الذي حمل لي حقيبتي ان كانت تتوفر لديهم خدمة الانترنت، وتبين لي أنه لا يعرف ما معنى الكمبيوتر بالنهاية، تشاءمت جداً، وازداد تشاؤمي عندما وجدت أنا مداخل الكهرباء المتوفرة لديهم ليست كتلك الموجودة في بيتي في فلسطين، اذ أنني لن أستطيع الاتصال بالأهل لأطمئنهم عليّ، وعندما عدت حاولت تجاوز المشكلة الأخيرة وهي مشكلة الكهرباء، وقد وجدت أن العاملين في الفندق أناس لطفاء ومتعاونون، ويحملون همّ الضيف على رؤوسهم، وبسرعة هبّ لمساعدتي في تغيير وصلة الحاسوب الى النوع المتوفر في الفندق، واستطعت بعد جهد أن أشعل الحاسوب المحمول الخاص بي، لأتفاجأ بوجود الانترنت اللاسلكي في المنطقة، لكن الخدمة غير ثابتة، تأتي وتتقطع، أول ما فعلته هو محاولة الاتصال بالأهل، وبالفعل فقد نجح، وسارت الأمور على ما يرام، وبدأت أحس بالتحسن من هذه الناحية. بالنسبة لي الانترنت أهم من الطعام وغيره، فهو المتنفس الذي يمكنني الخروج اليه في هذا الظرف العصيب…بعد الظهيرة، عدت وخرجت وحاولت التحادث مع مسؤول الفندق، هو يتقن اللغة الانجليزية، لكن شأنه شأن كل الهنود، يتكلم الانجليزية بلهجة هندية، وأعطاني بعض التعليمات للسلامة، وللطعام، والخدمات، وكان كل شيء على مايرام، سألته ان كان لي زملاء، فقال لي: نعم هناك العديد منهم، وقسم كبير منهم هم عرب من سوريا والعراق والأردن ولبنان، بالاضافة الى بلدان أخرى، وشعرت بالراحة وانتظرتهم لحين عودتهم في الليل، واذ بي أتعرف على مالك…

مالك شاب فلسطيني الأصل، يعيش في سوريا، ويعمل موظفاً حكومياً، استقبلني عندما رآني في المطعم في وقت العشاء بحفاوة شديدة، وكأنه يشتم عبق الوطن من خلالي، وهو شاب متفاعل جداً، صديق الجميع، ويمكن القول أنه قائد الفريق الذي يسبقنا، سألني عن الأحوال وأخبرته بحالي السيء، وقام بتوجيه بعض النصائح لي، ووعدني أن يرافقني في اليوم التالي لبعض الأماكن لتعريفي بها.تحسنت معنوياتي قليلاً مع مالك، وأحسست بشيء يشدني لهذا الشاب الأديب والناصح، وعدت الى الغرفة بعد العشاء مباشرة، وعملت لبعض الوقت ونمت لصباح اليوم التالي…