الامتحان…

دقات قلب المرء قائلة له        ان الحياة دقائق وثواني

دقات قلبي التي تسارعت يوماً بعد يوم ومنذ ما يقل بقليل عن أسبوع، لتصل ذروتها اليوم وقمتها لحظة دخولي للإمتحان، أشعرتني بعظم الامتحان الكبير الذي قصده الشاعر في بيته، اليوم أحسست ولأول مرة منذ سنوات أنني أعيش رهبة امتحان من امتحانات الدنيا، لست مهملاً امتحان الآخرة، لكن امتحاني لهذا اليوم ومع أني لن أحصل فيه على علامة النجاح، الا أنه أثار في نفسي الرهبة من امتحان أكبر..امتحان يكون فيه الممتحن هو رب العزة، شديد العقاب، وورقة اجاباتي التي ملأتها اجابات خاطئة اليوم، ستكون صحيفتي التي سأقف فيها أمام رب العزة جل جلاله، حاملاً فيها ذنوباً لا تعد ولا تحصى، واجابات قليلة لعل الله يبارك فيها…

استعددت جيداً للإمتحان، ودرست الكتاب والدفتر وحللت الأسئلة والواجبات، لكن عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، وقد شعرت بالكثير من المهانة عندما بت أغير أرقام الأسئلة لأن طريقة حل السؤال الثالث هي الطريقة الخاصة بحل السؤال الثاني، مع اختلاف الأرقام طبعاً…! دليل أكيد على التخبط الذي كنت أجيب فيه على ثلاثة أسئلة فقط….

وما ان بدأ المدرس يصيح بأعلى صوته، سلموني أوراقكم أو أبقوها معهم، لم تجدِ مناشداتي له بمزيد من الوقت لا يتعدى الخمسة دقائق، سلمت الورقة، وناقشت زملائي ببعض الاجابات التي يبدو أن أسئلتي التي أجبت عليها هي لمادة أخرى غير التي يتحدث عنها هؤلاء…

المهم أنني عدت، وبطريق عودتي سألت نفسي، ماذا كان سيحصل له لو أعطاني خمسة دقائق اضافية لأصحح اجاباتي وأحلها بطريقة صحيحة؟ بالضبط هذا هو السؤال الذي سنطلبه من رب العزة فيما لو لا سمح الله ذهبنا الى النار بمعاصينا: يارب أعطنا حياة أخرى وسترى كيف سنعبدك كثيراً…

لكن رفعت الاقلام وجفت الصحف، ولاظلم اليوم، فنحن في النار لأننا لم نخلص العبادة والطاعة جيداً…وأسئلتي الثلاثة التي لم أستطع الاجابة عليها لا تمثل بالنسبة لي اليوم سوى قيمة مالية هي ثمن دراسة هذا المساق مرة أخرى، ولعل مالي الذي دفعته وضاع سدى في هذه المادة علمني أمراً أكبر من مجرد عمليات حسابية، علمني ببساطة أن أعمل ليوم الحساب الأكبر، وأن أستعد لأسئلة لعل الاجابة عليها ستكون من ذاك النوع من السهل الممتنع، الذي يمكن الاجابة عليها، لكن لا يستطيع الجميع الاجابة عليها…

وفي الختام أختتم بهذا الحديث النبوي الشريف وأستشرق الأمل برحمة غفور رحيم…

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعـن ماله من أين أكتسبه وفيـم أنفقه وما عمـل فيما علم )

دعاء الفرج

” اللهم إحرسني بعينك التي لاتنام وأكنفني بركنك الذي لا يرام، احفظني بعزك الذي لا يضام وأكلني بالليل والنهار، ارحمني بقدرتك علي انت ثقتي ورجائي، فكم من نعمة انعمت بها علي قل لك بها شكري، وكم من بليه ابتليتني بها قل بها صبري، وكم من خطيئة ارتكبها فلم تفضحني، فيامن قل عن نعمته شكري فلم يحرمني ،ويامن قل عن بلائه صبري فلم يخذلني ويامن رآني على الخطايا فلم يعاقبني، ياذا المعروف الذي لا ينقضي ابداً ويا ذا الايادي التي لا تحصى عدداً وياذا الوجه الذي لا يبلى ابداً وياذا النور الذي لا يطفأ سرمداً ،اسالك ان تصلي على محمد كما صليت وباركت واسترحمت على ابراهيم، وان تكفيني شر كل ذي شر بك أدرأ في نحره وأعوذ بك من شره واستعينك عليه اللهم أعني على ديني ودنياي، وعلى آخرتي بالتقوى احفظني فيما غبت عنه ولا تكلني الى نفسي فيما حضرته، يامن لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفره، أغفر لي مالا يضرك وهب لي مالا ينقصك يا الهي اسالك دوام العافيه اسالك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم اللهم إني استدفع بك مكروه ما أنا فيه وأعوذ بك من شره يا ارحم الراحمين. ”
والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام.

أمي والنجاح

للعام الثاني على التوالي أشارك في احتفالات التخريج في جامعة النجاح الوطنية وبحكم طبيعة عملي مصوراً لهذه الاحتفالات رأيت كيف يبتسم الأهل ويفرح الآباء والأمهات، وتقف النساء مزغردات وعيونهن تنظر في أوجه أبنائهم مليئة بدموع الفرح، رأيت كيف يُقبل الأبناء على آبائهم مقبّلين أيديهم، الوالد متماسك تماماً كما هم الرجال دوماً لا يظهرون مشاعرهم العاطفية ولا يحبون إظهارها مكابرة لرجولتهم وثُقلهم، أما الأمهات فيقبضن على أبنائهم محاصريهم من كل جانب و يقبلنهم، ويركع الابن شاكراً ويقبل يدي أبويه، ويقول الأب بكل جمود واقف على شفا الانهيار “الله يرضى عليك يا ابني”…

مشاهد مليئة بالعاطفة والشعور الندي بالدموع الهاربة من مآقي العيون، تخرج معها آمال العائلة بأن يستمر ابنها بالتفوق والنجاح وأن يبقى كما هو دائماً أفضل رجل على وجه الكرة الأرضية، اليوم خرج الابن من مرحلة التلقي إلى مرحلة العطاء، من اليوم يجب أن يعثر على عمل لطالما قل في فلسطين أن يعثر عليه، لكن يبقى الامل موجوداً وبنسبة كبيرة…

لا أعرف ما الذي ربطني بهذه المشاعر لدرجة أنني شاركت بعض الناس مشاعرهم بالدموع، لأكثر من مرة نزلت دموعي وتركت الكاميرا تهرب دونما شعورً بذلك دون أن أعرف السبب… 

رحم الله والدتي التي أفنت عمرها من أجلي وأجل إخوتي، رحلت والدتي في نفس اليوم الذي تخرج منه أخي من جامعة بيرزيت، كان يوم الاثنين الحزين الذي بكيت فيه كما الأطفال تبكي، لم أرد يومها أن أطلق دمعة واحدة كي لا ينهار أبي الذي لطالما نظرت إليه وكأنه الجبل الراسخ الذي يمسك بزمام الأمور ويدير الأمور بالحكمة والرجولة المعهودة، وما إن رأيت عيون أبي الحمراء حتى انهرت باكياً صارخاً فقدان أمي…

كانت أمي معلمة منذ نهاية السبعينات في الكثير من المدارس خارج نابلس ثم حضرت لإدارة إحدى مدارس نابلس الحديثة بعد أن لم تعد تستطيع تحمل مشاقّ السفر اليومي خارج نابلس نظراً لإصابتها بالمرض الخبيث والحاجة لبقائها لكي يستطيع والدي ايصالها يوميا إلى المدرسة، وقف والدي إلى جانب أمي في فترة مرضها وكان حنوناً علينا وازداد حنانه بعد وفاة أمي وكأن الله قد أعطاه حنان أمي.

كانت أمي دائما المسؤولة عن نجاحنا في الدراسة لمتابعتها لنا وسهرها معنا وكأنها كانت تقدم التوجيهي نيابة عنا كل عام على مدى ثلاثة أعوام متتالية. وعندما كنا ننجح كان أقاربي يهنئونها على نجاحها بنا وكان والدي يحتفل بها أكثر مما يحتفل بنا، وفي أيام الجامعة كانت أمي تعاون أبي في مصروفنا وعندما يضيق الحال عليه ويستصعب عليه السوق فلا يوفر قسطنا كانت أمي صمام الأمان الذي يهب منجداً لنا كما يقول المثل “من تحت البلاطة”.

أشعر أحياناً أنني وإخوتي المسئولون عن موت أمي، لأننا لم نمنحها يوماً أو إجازة للراحة، كانت مضطرة للاستمرار بالعمل وتأخير التقاعد لأطول فترة ممكنة لكي تضمن مستقبلنا وتوصلنا إلى بر الأمان.

 أذكر عصر ذلك اليوم الذي كان آخر يوم من أيام أمي، كنت موجوداً معها وكانت تنظر إلي بابتسامة العارفة بالنهاية مع غروب نفس اليوم. حضر أبي وبقينا سوياً إلى أن أتي أخي الكبير والذي طلبت منه أمي أن يتوجه وحيداً إلى جامعة بيرزيت ليشارك في حفل التخرج.  بعد أن كانت أمي على سرير المرض تحاول تأخير موتها وكأنها تتحدى آية الله الكريمة “فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون” على أمل أن يعود أخي. وكانت مشيئة الله أن ترى أمي أخي عائداً من بيرزيت بثيابه التي أفنت حياتها لكي تراها على كل واحد منا، دخل أخي بروب التخرج حاملاً شهادته وابتسامته وعيونه الدامعتين، أمن المعقول أن أرى أمهات رفقائي ولا أرى أمي معي في يوم تخرجي؟؟؟

 عندها قالت له أمي اذهب وأحضر شوكولاته لكي أحلي المرضى في المستشفى، وذهب أخي وأحضرها لتحاول أن تحمل العلبة بنفسها وتتجول بين الأسرّة والغرف في المستشفى لكنها لم تستطع، كنا نعلم أن أمي تعدُّ لحظاتها وأنفاسها الأخيرة حسب ما أخبرنا به الأطباء، فصرنا نُحضر لها المرضى من الغرف المجاورة وكانت تحمل العلبة بيدها وتقدم الشوكولاته بكل فرح وكلنا كان فرحاً بذلك إلا أبي الذي شاهدته ودموعه تنزل من عيونه الحمراء بعد ان خرج إلى ممرات المستشفى ووقف بجانب باب قيل أنه يتم إخراج المرضى الموتى منه في العادة بعد وفاتهم على سرير المرض.

وحيث أنني تعبت من البقاء مع أمي وأتى دور خالاتي وآخرون، عدت إلى البيت لكي أرتاح قليلاً، وما ان وما أن رفع أذان المغرب تسارعت دقات قلبي عندما رن الهاتف وإذا به والدي ينعى لي أمي..

لعل ما شاهدته اليوم والعام الماضي في احتفالات التخرج من مشاعر جياشة بين الأهالي وأبنائهم وخصوصاً الأمهات منهم، كان حلقة الوصل بين دموعي ودموع أمهات الخريجين. لقد فقدت ذاك الصدر الحنون الذي لم يضمني يوم تخرجي، صدر أمي.

أتمنى كل عام أنني لو كنت مكان أي من الخريجين وكانت أمي تزغرد لي في تخرجي وتحتضني باكية دموع الفرح. لقد ماتت أمي متعبة من الأيام التي تعبتها لراحتنا، ولم يتسنى لها أن ترتاح لرؤيتنا يوم تخرجنا أنا وأخي و أختي التي أمضت فترة مرض أمي بدراسة امتحانات الثانوية العامة وظهرت نتائجها في يوم العزاء الثاني فلم نعرف ماذا نفعل يوم كنا بالعزاء، هل نبارك لأبي نجاح أختنا أم نبكي أمي التي لم يمهلها المرض لتجني ثمار تعبها وسهرها.